جماليّات الصّورة الفنّيّة في شعر السّريّ الرّفّاء

تعدّ الدّراسات النقديّة من أهمّ الدّراسات الحديثة ، لأنّها ترتبط بالذّائقة الأدبيّة للباحث ، كما أنّها ألصق بالنصّ الأدبي ، ويظلّ هاجسُ النّاقد الدّائمُ أن يبحثَ في تأمّلاته المبدعة في الصّورة الشعريّة عن أبعادها ومستوياتها المتعدّدة متسلّحاً بمعطيات العلوم والفنون الحديثة وضابطاً هذه التّأمّلات بالدّراسة المنهجيّة وبفكرٍ متّقدٍ وعقلٍ منفتح  على الأدوات المعرفيّة التي تتوفّر باطّرادٍ في ميدان النّقد الأدبيّ من خلال مناهجَ تصاغ أو تُكتشفُ أو تُطوّر.

إنّ القصيدة الشّعرية العربيّة هي مجموعة من العلاقات  الشّكلية والمضمونيّة المترابطة لغة وجرساً ودلالة وإيقاعاً وصورة، تؤلّف في مجمل بنائها عملاً فنياً رفيعاً ، وهي الطّاقة المبدعة التي تشكّل الصّورة أساسها الإبداعي ، وتسهم في التّأثير في المتلقّي ، ونقله إلى عوالم يتصوّرها هو ، فضلاً عن أنّ الصّورة الفنية تمثّل رأس العمل الإبداعي للشّاعر ، وبالتالي فهي انعكاس للحالة النفسيّة التي يعيشها الشاعر ، ومترجم دقيق لعواطفه وأحاسيسه ، لمسرّاته وأحزانه ، لسعادته وشقائه ، لرضاه وغضبه .

إنّ اللغة الشّعرية تعدّ بحقّ من أهمّ عناصر البناء الفني في القصيدة ، واللغة في بعض جوانبها ظاهرة فنيّة ، تتأثر بتطوّر المجتمع ورقيّه ، أو انحطاطه ، لأنّها ترجمان فكره .

ودراسة الصّورة الفنّيّة عند شاعرٍ ما تقتضي التّعمّق في قراءة التّشكيل اللغويّ والبلاغيّ في شعره في إطار نظريّة السّياق التي هي ضرورة منهجيّة من أجل الحصول على فهمٍ أدقَّ وأعمقَ لأيّ عملٍ أدبيّ ، فالظّاهرة اللغويّة أو البلاغيّة لا تحمل قيمةً بمعزلٍ عن بنائها  وتركيبها، ولا يمكن أن تدرك منفصلةً عن العناصر السّياقيّة المختلفة التي تؤثّر فيها، والفهمُ الأوفى لملامح الصّورة الفنّيّة يتطلّب الرّبط بين فاعليّة العناصر البلاغيّة ونشاط البنية اللغويّة، والتّحليل الأدبيّ لنصّ شعريّ يبدأ بتفكيك هذا النّصّ إلى عناصره المكوّنة وجزئيّاته الصّغيرة ، ثمّ ينتقل إلى رصد التّفاعلات بين هذه العناصر بحيث تتحدّد قيمة أيّ عنصر بموقعه في السّياق الذي يؤثّر في غيره من عناصر البناء اللغويّ الأخرى.

لقد أطلّ العصر العباسي منذ مطلع القرن الثاني للهجرة ليمتدّ إلى أكثر من خمسة قرون ، وقد حفل بأحداث سياسية كبيرة ، وقدّم نتاجاً أدبياً غنياً لتراث الإنسانيّة ، تمثّل قيماً أنتجتْه قريحةُ شعرائه وأدبائه ، فضلاً عن الثّورة الكبيرة في عالم التّأليف والتّرجمة والتّدوين ، وهو الأمر الذي أدّى إلى نموّ وتطوّر الحركة النقديّة حول هذا النتاج الأدبي ، فظهر شعراء بارزون وكتّاب مشهورون ، ونقّاد لامعون .

وفي هذا المناخ الفكري والأدبي والسّياسي والعلمي الذي يجمع بين الالتصاق بالتراث وحبّه ، والدّعوة إلى التجديد والتّطّور ، ظهر شاعرنا السّريّ الرّفّاء ، الذي يعدّ من أبرز شعراء عصره، وهو معاصر للمتنبي ، وعاش في البلاط الذي عاش فيه المتنبي ، ومدح سيف الدّولة الحمداني ، وأمراءَ بني حمدان في حلب والموصل ، وقد ذاع صيته وتألّق نجمه في سماء الشّعر والشّاعرية ، وسار شعره في الآفاق ، واشتهر في الشّام والعراق ، ووصل إلى خراسان وسائر البلدان ، كما يقول أبو منصورٍ الثّعالبيُّ في اليتيمة .

ومع هذه الشّهرة التي حظي بها السّريّ الرّفّاء إلاّ أنّه لم ينل حظّاً من الاهتمام به سواء من معاصريه من النقاد أو الذين جاؤوا بعده، كما هي حال المتنبّي وأبي تمّام ، والبحتري ، وأبي نواس ، مع أنه لم يقلّ شأناً وأهمّية عنهم ، فضلاً عن أنّه لم يُدرس من الباحثين المعاصرين بشكلٍ وافٍ سوى ما ورد في مقدّمة محقّق ديوانه الدكتور حبيب الحسني ، التي جاءت وافية إلى حدّ ما ، ولكنّنا نقصد الدّراسة الفنيّة التي تنصرف إلى دراسة شعر الشّاعر، وبيان مواطن الإبداع فيه ، فضلاً عن مواطن الخلل.

لقد تنوّعتْ ثقافة الشّاعر ومعارفه ، واتّسع خياله ، فاستطاع ببراعته أن يقدّم لنا هذا الفيض الشّعري الجميل الذي لا يقلّ جمالاً عن شعر معاصريه كالمتنبّي وأبي تمّام والبحتري ، وكانت قصائده على اختلاف أغراضها وقوافيها وأوزانها تمثيلاً فنيّاً واعياً للحالة السّياسية والاجتماعيّة والفكريّة السّائدة في ذلك العصر ، وبالتالي فهي وعاء ثقافته ، ومستوى تفكيره ، ودليل إبداعه .

إنّ الشّاعر السّريّ الرّفّاء في عموم شعره يحاول أن يحافظ على أصالة القصيدة الشّعرية العربيّة ، وحين يكون مجدّداً محدثاً لا ينسى المكانة الفنيّة للتّراث الشّعري العربي الذي تصوّره وتجسّده القصيدة القديمة ، فجاءت أشعاره عالماً يتحرّك ، وحياة تتجدّد ، وفكراً عميقاً ، وطموحاً وقّاداً ، وعاطفة إنسانيّة صادقة ، وبهذا فقد ترك لنا ديواناً شعرياً ضخماً ، يدلّ على عبقرية فذّة ، ونبوغ واضح ، وشاعرية كبيرة

بعد هذه الرّحلة الطويلة الممتعة مع السري الرفاء، وإبداعاته التصويريّة، وجدنا أنه يكاد لا يختلف كثيراً في خصائص شعره الفنية عن شعراء عصره ، إذ امتاز شعره بالجودة والعذوبة في أكثره مع ما أشار إليه النقاد من سرقات له، وأخذ عن غيره ، ومع هذا فقد زيّن شعره بحسن اختياره لألفاظه ، وجودة سبكه لعباراته وبراعته في إنتاج الصورة وحسن الوصف مع سهولة وعذوبة ، وهذا ما جعله محط إعجاب النقاد والأدباء قديماً وحديثاً ، إذ أعجب به أبو منصور الثعالبي أيّما إعجاب ، إذ وصفه بأنه ( صاحب سر الشعر ) .

ومما يميز السري الرفاء أن عباراته سهلة التركيب ، بعيدة عن التعقيد لا نكاد نلمس في شعره شيئاً من التكلف ، وكان واسع الخيال رقيق التعبير .

إن قراءة شعر السري الرفاء تنمّ عن تأثره بأسلوب القرآن الكريم ، وإن كان هذا التأثر قليلاً ، كذلك يظهر تأثره بأشعار غيره من الشعراء الذين سبقوه .

أولع الشاعر بالتشبيه ولعاً كبيراً بحيث لا تخلو قصيدة من قصائده وخاصة الطوال من عشرات التشبيهات ، بل قد نجد تشبيهين في بيت واحد ، وقد يختلط عنده التشبيه بالاستعارة أو الكناية ، وقد تختلط الاستعارة عنده بالكناية ، وقد استوعبت تشبيهاته كل أنواع التشبيه التي تعارف عليها علماء البيان ، وقد استخدم الشاعر جميع أدوات التشبيه في صوره التشبيهية ، وكانت أغراضه التشبيهية متنوعة وخاصة في مجال وصف الطبيعة أو المدح أو الرثاء .

كمثل قوله:

وحلَّلَ من أزرارِهِ النّوْرَ فاغتدَى
 

كلفظِ جَليبٍ همَّ أن يتفصَّحا
  

وشَقَّ على صبغِ الخدودِ شَقائقاً
 

رأَته عيونُ السّربِ أبهى وأصلَحا
  

أراكَ نصالَ النّبلِ قبلَ انفتَاحِه
 

وحلَّ خَراجُ النّبلِ حينَ تفتَّحا
  

      أما استعاراته فكانت بارعة استطاع الشاعر أن يضفي عليها من خياله الشيء الكثير ، ولكنها في أغلبها استعارات حسية ، وقد استخدم جميع أنواع الاستعارات في شعره سوى نوعٍ واحد وهو الاستعارة التهكمية ، إذ إننا لم نقف على شاهد لها في شعره ، كما أننا نلحظ في استعاراته ركونه إلى لغة المجاز ، إذ استطاع بوساطتها أن ينقل حالته الشعورية تجاه نفسه ومجتمعه .

 

 

كمثل قوله:

كَسَتْكَ الشّبيبةُ رَيعانَها
 

وأهدَتْ لكَ الرّاحُ رَيحانَها
  

فقَد خلَعَ الأُفقُ ثَوْبَ الدّجى
 

كما نَضَتِ البيضُ أجفانَها
  

وأيُّ ليالي الهَوى أحسَنَتْ
 

إليَّ فأَنكرْتُ إحسانَها
  

        لقد أولع السري الرفاء بالمحسنات اللفظية ، كالجناس والمحسنات المعنوية كالطباق والمقابلة ، أما أوزانه وقوافيه فإنه نَظَمَ في أغلب البحور وخاصة الطويلة ، وكان أكثر أوزانه البحر الكامل والبحر الطويل ، والبحر البسيط ، والبحر الوافر ، وبحر الرجز ، والمنسرح ، والمتقارب والخفيف والسريع والرَمَل ، والهزج ، ولم ينظم على المجتثّ سوى قصيدة واحدة قوامها بيتان فقط ، أما بقية البحور فلم ينظم عليها وغلب على قصائده الطّول سوى بعض المقطوعات .

لقد نجح السّريّ الرّفّاء في عكس الواقع على صفحة الصّورة الفنية من خلال تقنيّات الفنّ والجمال، والتّوازن والتّنسيق التي أبدعها بعد أن أخذ المشاهد المألوفة ومرّرها بخياله الفنّيّ فخرجت في ثيابٍ جديدة من التّصوير الممتع.

كما أنّه استطاع أن يخلّص اللّون من كونه مجرّد انطباع حسّيّ، ومن رؤيته الانعزاليّة ووضع له وظيفته داخل نطاق الكلّ العامّ، بحيث لا ينظر إليه في ذاته ولا يحكم عليه حكماً استقلاليّاً، وإنّما أصبح ينظر إليه في علاقاته بغيره، وتحوّل من عنصر من عناصر الشّكل إلى  عنصر من عناصر المعنى، ومن وضعه التّزيينيّ كحلية للزّركشة إلى وضعه الشّعوريّ كأداة للتّعبير، ويحكم عليه ضمن سياقه، وبذلك بطلت تلك التّفرقة القديمة بين أنماط منه جميلة وأخرى قبيحة، فالجمال والقبح قيمتان تنبعان من دوره الذي يقوم به في العمل، ومن وظيفته التي يحقّقها داخل النّصّ، وما كان قبيحاً قبحاً عامّاً صار جميلاً جمالاً خاصّاً في اتّخاذه المكان المناسب والصّحيح في القصيدة .

 

 

 

كقوله:

مرْحَباً بالصَّبُوحِ في الظَّلْماءِ


 

وبعَذْرَاءَ مِنْ يَدَيْ عَذْرَاءِ

وَبِسُكْرَيْنِ مِنْ لِحَاظِ غَزَالٍ

 

سَاجِرٍ لَحْظُهُ ومِنْ صَهْبَاءِ

 واحْمِرَارِ الكُؤُوسِ في كَفِّ سَاقٍ

 

صِيْغَ مِنْ مَاءِ وَرْدَةٍ بَيْضَاءِ

ضَحِكَتْ أَوجُهُ اللذاذاتِ بِالفِطْ

 

ـروَلاَحَتْ طَوَالِعُ السَّرَّاءِ

فَكَأنَّ السُّرورَ إِلْفٌ حَبَانَا

 

مِنْهُ بِالوَصْلِ بَعْدَ طُولِ الجَفَاءِ

وَكَأنَّ الهِلالَ نُونُ لُجَيْنٍ

 

غَرِقَتْ في صَحِيفَةٍ زَرْقَاءِ

 

 

     وإذا كانت الصّورة الفنية قد أسهمت في الكشف عن الحقيقة وتعميقها ، وفي التّنفيس الشّخصيّ عن نفس مبدعها، وفي عكس المشكلات الاجتماعيّة التي كان ينبض بها عصر الشّاعر، فإنّنا يجب ألاّ ننسى أنّ  الشّاعر لا يعنى بتصوير ما هو كائن فعلاً، وإنّما يهتمّ بتصوير ما ينبغي أن يكون ، أو لا يصوّر الحقيقة الحرفيّة، وإنّما يقدّم لها مقابلاً حيّاً أُدخِل في باب الحقيقة الحرفيّة نفسها .

وشعر السّريّ الرّفّاء محكم البناء مفعم بالعاطفة لكنّه لم يأخذ حقّه من الدّراسة ، فأدعو الباحثين إلى التّنزّه في رياض شعر هذا الشّاعر المفلّق والأخذ من عطره وأريجه حتى يغدو فوّاحاً . 

فديوان السّريّ الرّفّاء وشعرُه يمثّلان حديقةً مزهرة فيها من جميع الورود ما حسنت ألوانها ، وطاب شذاها ، ولكنها لا تخلو من شوكة هنا وهناك ، ولكننا نستطيع أن نقول بكل ثقة ، إنّ السّريّ الرّفّاء واحد من أشهر شعراء عصره ، لا يقلّ شأناً عن معاصريه ، ولكنّه لم يأخذ حقّه من التّقدير والدّراسة والبحث .

 

 

د. محمد عبد الكريم مسعود