ديوان الأعشين
تبقى أهمّية الشّعر العربيّ
متجدّدةً ، بتجدّد الفكر الذّي يستمدُّ تطوّره من ديمومة الحياة التّي
تنبثق من حيويّة اللغة العربيّة ، المتوالدة من ألفاظها، المواكبة كلّ العصور ،
ويؤدي الشّعر العربي دوراً متميّزاً في إحياء التّراث الغارق في القِدَم ،
العريق في الأصالة ؛ لذلك شغل أقلام الباحثين أزماناً ، وحرَّك عقول المفكّرين
والنّقاد دهوراً ، فنبشوا دفينه، وكشفوا خفاياه، وجمعوا أشتاته ، وسبروا أعماقه ،
وحلَّلوا جوانبه ، ودرسوا أغراضه ، وفسَّروا غوامضه ، وقوّمُوا اعوجاجه ، ونقدوا
ضعيفه وقيَّموه ، ورفعوا ثمينه وبيَّنوه ، وكلُّ ذلك وقع على التّراث
الشّعري منذ الجاهليّة إلى العصور المتأخّرة . فضلاً عن كونه خدمة للعربيّة
وأجيالها الرّاغبة في كشف كنوزها ، إنّه يضيء جوانب عديدة ، لشعراء قدماء عاشوا
حقبةً طويلةً من الزّمن، كما قدَّموا مادّةً علميّةً وفيرةً كانت متناثرةً في بطون
الكتب والمصادر القديمة ، هنا وهناك . وديوان الأعشين أحد العناوين الذّي شغل
الباحثين في جمعه وشرح معانيه وتحقيق مصادره .
ففي الثّلث الأوّل من القرن العشرين ، وبالتّحديد عام 1928م قام المستشرق النّمساوي
رودلف جاير بنشر ديوان " الأعشين " مفتتحاً كتابه بديوان الأعشى الكبير
( ميمون بن قيس ) وسمّى كتابه . " الصّبح المنير في شعر أبي بصير "
وألحق به شعر كلّ الشّعراء الذّين لقبوا بالأعشى .
ونذكر له فضله في سدّ هذا النّقص في المكتبة العربيّة بهذا الكتاب ، ولكننا
وللأمانة العلميّة ، نجد أنَّ عمله جاء ناقصاً ، كعادة أعمال الرّواد
والمستشرقين ، من حيثُ عدمُ وَفْرةِ المادّة الشّعرية التّي يحويها الكتاب ،
وعُذْرُه في ذلك , أنّ الوقت الذّي كان يعمل فيه كتابه , كانت أغلب المصادر
الأدبيّة، والدّواوين والمجموعات الشّعريّة ، مخطوطةً في بعض مكتبات العالم
، ولم تنشر أو تحقَّق ، وهذا ما يُصعِّبُ عمل الباحث ، ويمنعه أحياناً من العودة
إلى هذه المخطوطات كمصادر مهمّة، وهذه الأسباب التّي دعته لإلحاق أشعار الشّعراء.
الذّين يلقبون بالأعشى ، فيقول في مقدّمة كتابه :
" ولقد
عثرت في أثناء تنقيبي في المخطوطات والمطبوعات المختلفة على أشعار كثيرة
للأعشى لم يذكرها ثعلَب ، أو الدّيوان الصّغير لأسباب مختلفةٍ ، فجمعت هذه القصائد
في ملحق خاصّ ، كما جرت عليه العادة ، في مثل هذه الأحوال . وهذه القصائد لا تنقص
في كمّيتها عن النّصّ الشّعري بكثير ؛ على أنّ كثيراً من الأشعار التّي تنسب
للأعشى ليست لميمون ، بل هي لشعراء آخرين يشتركون معه في هذا اللَّقب، ولكنّهم
ينتسبون إلى قبائل أخرى؛ لذلك قسّمت المقتطفات ، بين ما يُرجَّح أنّه للأعشى ميمون
وما يُظنّ أنّه لغيره، وجعلت هذا الملحق بأقسامه المختلفة ذيلاً للديوان "
([1]) . انتهى
فضلاً عن أنّ الأشعار الواردة في ديوان الأعشين ـ باستثناء بعض أشعار الأعشى
الكبير ـ لم يشرحها الجامع ، هذه الأشعار التّي استَعْصَي فهمُها على القارئ ؛
لبعد المسافة الزّمنية المترامية بيننا وبينهم.
ويمكن
أن نضيف على ذلك أنّ المستشرق جاير، لسبب أو لآخر ـ وهذا ليس عيباً ـ لم يقم
بدراسة حياة كلّ شاعرٍ منهم، ولم يدوّن أهمّ الأحداث السّياسيّة
والاجتماعيّــة التّي عصفت بهم ، فضلاً عن وجود بعض الخلافات حول اسم بعضهم في
المصادر القديمة ، وهذا ما رأيناه واضحاً من خلال عملنا .
هذه
الأمور مجتمعة ، فضلاً عن عدم توفّر نسخة ديوان الأعشين ، الذّي صنعه
المستشرق جاير الذّي أضحى شبه مفقود ، يصعب الحصول عليه ، دفعنا للاشتغال بهذا
البحث وعمله وتقديمه أفضل ما يكون ، خدمة للعربيّة وآدابها ، وللأجيال
العربيّة المتمسكة بأصالتها, والمتواصلة مع تراثها والمؤمنة
بلغتها .
وإذا
كان همُّ المستشرق المذكور جمعَ شعر الأعشى الكبير،بالاعتماد على بعض المخطوطات
الرّديئة وغير الدقيقة من ناحية التوثيق لشعر الأعشى ، فهو لم يستطع أن يكمل
مشروعه لأسباب صحّية منعته من ذلك كما يذكر. ويعدُ كتابه أنموذجاً
لتلك الدّراسات ـ وإن كان ناقصاً ـ فقد رفد المكتبة العربيّة . وكان رائداً
لمجموعة من الباحثين في هذا المجال بجمع الدّواوين الشّعرية التّي
صُنعت على طريقته فيما بعد . من أهمّها أعمال حسن السّندوبي في " ديوان
المراقسة " جمع فيه شعر كلّ الشّعراء الذّين لقّبوا بامرئ القيس و "
ديوان النّوابغ " جمع فيه شعر كلّ الشّعراء الذين سمّوا بالنّابغة .
والواقع
أنّ مجهود النّاشر المحقّق لديوان الأعشى كان عظيماً ورائعاً وتحدّث عنه الدّكتور
محمّد محمَّد حسين ، في تحقيقه لديوان الأعشى الكبير بقوله :
"
وقد اعتمدت على هذا المجهود القيّم في طبعتي، فبدأت عملي من حيث انتهى جاير، ولذلك
كان من حقّ هذا المستشرق عليَّ أن أعتبر عملي في الدّيوان، إتماماً لمجهوده
المضني، وثمرة لعمله المتصل الدّؤوب " ([2]) .
وكنّت
في البداية قد تحدثت عن الأسباب التّي دعت المستشرق لإلحاق أشعار الشّعراء الذّين
لقِّبوا بالأعشى ؛ ونحن في دراستنا سنفادُ من جميع كتابات الباحثين الذّين عملوا
في هذا الجانب ، وسنحاول الاستدراك عليها بما نجده في بطون الكتب والمصادر
القديمة المتوفّرة بين يدينا، بما يخدم البحث ويفيد المكتبة العربيّة
.
وقسَّمت
دراستي إلى قسمين ، تسبقهما مقدّمة وتليهما خاتمة:
القسم
الأول : ويتألف من فقرات ثلاث .
أولا : العشو في الأدب العربي معنى ومصطلحا .
وحاولت
أن أُبيّن مَنْ ذكرَ الأعشين ، وأهمَّ من كتبَ في شعر العشو من
الباحثين المحدثين .
ووقفت
عند عمل المستشرق النّمساوي جاير ، بوصفه رائد هذا العمل ، وما استدركه عليه
الأستاذ الدّكتور محمّد محمَّد حسين ، كما رأينا عند تحقيقه لديوان الأعشى الكبير
/ ميمون بن قيس / فضلاً عن الدّراسة التّي قام بها الدّكتور محمّد التّونجي عن
" الأعشى شاعر الخمرة والمجون - صنّاجة العرب". ولن نغفل عن دراسة
هذه المؤلّفات ، دراسة نقديّةً تحليلية تخدم بحثي
أمّا
العشو في كتب القدماء فقد اعتمدت من أجل تعريفها جمع المادة
الشعريّة من بطون الكتب التّراثية، و ديوانه المجموع الذي لم
يُنجز بعدُ، والموسوعات الأدبيّة، مثل الأغاني للأصفهاني ، والخزانة للبغدادي
، والكامل في اللغة والأدب للمبرّد ، والكامل في التّاريخ لابن
الأثير ، والمؤتلف والمختلف للآمدي ، وأنساب الأشراف للبلاذري ،
وكتاب الصّناعتين للعسكري ، ومعجم الشّعراء لابن قتيبة ، وطبقات فحول الشّعراء
لابن سلاّم ، والأصمعيّات للأصمعي ، والمفضّليات للمفضّل الضّبي ، وأمالي
للقالي، وسمط اللآلئ لأبي عبيدة البكري ، والمزهر للسّيوطي ، وفرحة الأديب
للشّنتمري ، والإصابة بمعرفة الصّحابة للعسقلاني ، وغيرها من كتب النّحو التّي
استشهدت بأغلب الأبيات الشّعرية لشعراء العُشْو في العصور المتقدّمة ، كالمغني
لابن هشام ،وكتاب سيبويه لسيبويه ، وإعراب القرآن لابن النحاس ،
ولسان العرب لابن منظور ، وتاج العروس للزبيدي ، والصّحاح للجوهري ،
وشرح أبيات سيبويه , للسيرافي ، وتهذيب اللغة للأزهري ، وديوان المعاني
للعسكري . وغيرها من كتب النحو واللغة والمعاجم الكثيرة .
وهنا أحب أنْ أشير إلى أن هؤلاء الشعراء كانت لهم أشعار يُحتَجُ بها وترد شواهد
نحوية في كتب اللغة ، وهذا يدل على أن أغلب شعرهم طاله الاندثار وامتدت إليه
يد الضياع وبقي ما وصلنا منه النذر اليسير، وكانت على شكل هذه النتف
والمقطعات والقصائد والمطولات والدواوين لشعراء العشو .
ـ
مشيرا إلى أغلب الأغراض الشعرية وموضوعاتها التي وردت في شعرهم ، من
وصف ـ ورثاء ـ وهجاءـ وغزل ـومديح ـ وفخر .
ثانياً ـ
الخصائص الفنية لشعر العشو. وهي تتألف من الفقرات التالية :
1ـ الألفاظ
والمعاني التي استعملها شعراء العشو من العصر الجاهلي إلى العصر
الأموي، وما يمتاز به اللفظ والمعنى من فصاحة القول وجزالة اللغة وقوة
البيان وبلاغة الشعر وحسن التعبير ، مع ذكر الخصائص الفنية التي يتصف
بها شعر الأعشين من ناحيتي البناء الّلفظي والدلالات المعنوية .
2ـ
الدراسة التطبيقية لمفهوم الصورة في شعر الاعشين وتناولت فيها.
آ ـ
مفهوم الصورة وحدودها بين القدماء والمحدثين مع ذكر الصور الشعرية لدى شعراء العشو
ب ـ
الصورة بين المعنى والخيال .
ج ـ
الفصل والوصل .
د ـ
التشبيه : مفهومه , وأنواعه , وأركانه وأطرافه .
هـ الاستعارة
وأنواعها .
و ـ
الكناية وأقسامها
3ـ الدراسة
التحليلية للموسيقى في شعر العشو وعملت على :
1ـ الموسيقى الداخلية في شعر العشو
2ـ الأصوات وجماليات الموسيقى في شعر العشو
3ـ الأوزان وموسيقى الشعر في شعر العشو .
4ـ القافية وموسيقى الشعر في ديوان العشو .
أ ـ من ناحية الحركات .
ب ـ من ناحية الصور . مطلقة , ومقيدة .
ـ أمَّا القسم
الثاني فجمعت ديوان الأعشين
ويتألف
من ثلاث فقرات هي :
ـ شعراء العصر الجاهلي :
ـ الشعراء المخضرمون :
ـ شعراء العصر الأموي:
وفي
هذا القسم عملت في التّحقيق من ناحية ضبط المادة الشّعرية في ديوان الشّعر
لكلِّ شاعرٍ ، ذاكراً اسمه ونسبه, وعصره، وحياته وتخريج أشعاره وذكرَ
أماكن تواجدها ، وورودها في الكتب التّراثية ، ومقارنتها مع ما ورد في الديوان
المجموع من قبل المستشرق جاير ، إذ اعتمدت عليه ، وكان المصدر الرّئيس في الجمع ،
مع بيان ما هو وارد فيه مقارنةً مع ما ورد في تلك المادّة ضمن المصادر التّراثية ،
وخاصة المصادر النحوية والكتب اللغوية وهي شواهد نحوية ولغوية في أغلبها كما
ذكرتُ، علماً بأنّه لم يرجع إلى تخريج الأبيات في ديوانه ، وهذا ما شجَّعني
على استكمال ما بدأ به إذ خرَّجتُ الأبياتَ من مصادرها ، وأشرتُ إلى ورودها في
أمّهات الكتب العربيّة، كما عملتُ على استكمال ما بدأ به ، مع ذكر خِلاف الرّواية
في الأشعار المجموعة ، وكشف ما هو مغاير نتيجة المقابلة أو التّدوين ، وثبتُّها في
شرح الأبيات وهوامش النّصوص .
أمَّا المنهج الذّي اتبعته في التّحقيق فهو المنهج الوصفي من جمع وشرح
الألفاظ والمعاني التّي يحتاجها القارئ في الشّرح والتّوضيح ومقارنتها مع بعضها
بعضاً لكشف الدّخيل عليها، وما هو مصحّفٌ أو محرّفٌ، مع ذكر الأحداث والأمكنة
والتّواريخ والشّخصيات, والتّأريخ الأدبي من خلال التّأريخ الشّعري. وهذا له
دور كبير في تثبيت الحقائق التّاريخيَّة وذكر شّخصياتها كما ورد قول شعراء
الأعشين ، وخاصّة أعشى بني ربيعة وأعشى تغلب , وأعشى همدان ، الذي ذكر
الخلفاء
الرّاشدين
ـ وخلفاء بني أميّة كلّهم بشعره ، كما فعل الفَرزدق, والكُميت , ودِعبل ,
والسيد الحميري , والأخطل , وجرير , بذكرهم لأغلب الشخصيات التى قالوا فيها
شعرَ المديح أو الهجاء .
كما
اتبعتُ في منهج التّحقيق كشفَ بعض الصّور الشّعريّة ، وما فيها من خيالٍ ،
وبيانٍ ، وبديعٍ ، وتشبيهٍ ، واستعاراتٍ ، وكناياتٍ وغيرِها من علوم اللغة
والبلاغة ، مع شرحِ الألفاظ وورودها في المعاجم ، وكذلك التّعريف بالمدن والأقاليم
والأيّام والمواقع ، والوقائع التّي وردت في أشعارهم ، مع شيء من الإسهاب ،
كالتّعريف بالأمكنة الجغرافيّة مثل " الخجندة " ، و " كابل "
،وكرمان و" مكران " ، و " التّثليث " مع التّعريف
بالكِنى والألقاب الواردة في أشعار الأعشين مثل : ابن الأشجع، قريع ، آل الزّبير ،
بني مروان ، وبني نُفيل وغيرهم ... وما ورد نسبة إلى شاعر آخر وضعته في ذيل
الديوان وهذا ما اختلف عليه
ودمتم ودام لنا قائدنا ورئيسنا الدكتور بشار الأسد الذي أحبَّ العلم وكرّم
العلماءَ وشجّع البحث العلمي ومنحه الأولوية في سبيل بناء هذا الوطن الغالي
وشكرًا
سيرة
ذاتية
الطالب : محمد حمزة إبراهيم من
مواليد جناتا 1954 محافظة
اللاذقية
ـــ حصل على أهلية التعليم عام 1975 مديرية تربية
اللاذقية
ــ
الإجازة الجامعية في اللغة العربية وآدابها عام من جامعة تشرين عام
1982
ــ ثم
نال شهادة دبلوم التأهيل التربوي من جامعة دمشق عام 1985
ـــ ثم حصل على شهادة الماجستير من الجامعة اللبنانية عام 2003
ـــ
ثم نال شهادة الدكتوراه في اللغة العربية وآدابها من جامعة الروح
القدس - الكسليك
في لبنان 2007
ــ
ثم سجل بحثه المعنون/ ديوان الاعشين دراسة وجمع وتحليل / في جامعة تشرين
بالقرار
رقم/ 503/ تاريخ 2/4/2006
ونشر
الأبحاث ث التالية:
-الأديان في شبه الجزيرة العربية
قبل الإسلام من خلال الشعر الجاهلي . في مجلة
الخليج العربي جامعة البصرة 2009
ـــ مفهوم الصورة وحدودها بين القدماء
والمحدثين في شعر أعشى همدان مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات 2009
ـــ جماليات الموسيقى والإيقاع
في شعر الأسود بن يعفر مجلة جامعة تشرين للبحوث والدراسات 2009
ــ دورة مستوى متقدم في الانترنت
المعهد الوطني لنشر الملوماتيه 2008
ــ وثيقة اختبار مقدرة باللغة
الانكليزية 2004 جامعة تشرين معهد اللغات
ــ شهادة خبرة من جامعة تشرين
محاضر في كليات الجامعة وأقسامها اعتبارا عام
1996 ـ
2011