أطروحة دكتوراه في العلاقات الدولية بعنوان: عدم الاستقرار في المنطقة العربية وأثره على التنمية الاقتصادية للباحث ذوالفقار عبود

تعاني المنطقة العربية من حالة عدم استقرار مزمنة حيث تعرضت إلى عدة أحداث هامة وخطيرة كان لها تأثير بنيوي على حاضر ومستقبل المنطقة والعالم على حد سواء.

  أول مظاهر عدم الاستقرار يتجلى في الحروب العسكرية التي شهدتها المنطقة العربية سواء الحروب الثنائية بين دولتين أو الحروب الجماعية بين عدة دول.  هذه الحروب العسكرية كان لها نتائج خطيرة على استقرار المنطقة وعلى الصعد كافة السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

  ثاني مظاهر عدم الاستقرار يتجلى في التطرف الديني والحركات الدينية المسلّحة التي تهدد الأمن والسلم الاجتماعي في الدول العربية.

  ثالث مظاهر عدم الاستقرار يتجلى في التعصب والتطرف الطائفي والقبلي والذي هو تعبير عن تخلّف البنى الاجتماعية والاقتصادية في الدول العربية من جهة, ومن جهة أخرى تعبير عن ضعف الدولة العربية في القيام بدورها كمؤسسة ضامنة لجميع فئات المجتمع.

  رابع مظاهر عدم الاستقرار يجد نفسَه في الصراعات الداخلية التي تشهدها الدول العربية.

- تكمن مشكلة البحث في كون المشاكل الاقتصادية والسياسية تلقي بظلالها على حياة شعوب هذه المنطقة ومستقبلها, كما أن مشكلة عدم الاستقرار في المنطقة العربية لا يمكن فصلها عن الأسباب الاقتصادية والسياسية الكامنة وراءها إضافة إلى أن ظاهرة عدم الاستقرار تؤثّر في برامج التنمية الاقتصادية انطلاقاً من العلاقة الجدلية بين الظواهر الاقتصادية والسياسية.

- تبرز أهمية البحث انطلاقاً من عدة اعتبارات اقتصادية وسياسية واستراتيجية تتعلّق بالمنطقة العربية ومستقبلها وخاصةً بعد المستجدات التي طرأت عليها والتي ربما لن يكون آخرها الاحتلال الأميركي للعراق وإرهاصات الحرب الأهلية في بعض الدول العربية. إضافةً إلى أن ظاهرة عدم الاستقرار في المنطقة العربية تحظى باهتمامٍ بالغٍ على مستوى الدارسين ومراكز الأبحاث في المنطقة والعالم, وانطلاقاً من أهمية إيجاد تفسير سببي لظاهرة عدم الاستقرار والمساهمة في صياغة الحلول وأساليب العلاج, ونظراً للأهمية الاستراتيجية لفهم دور العوامل الاقتصادية والسياسية في استقرار الدولة سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.

- ينطلق هذا البحث من عدة فرضيات منها أنّ ظاهرة عدم الاستقرار في المنطقة العربية هي حالة قديمة وتشكّل الرؤية الغربية للمنطقة, وأنّ الفشل التام في علاج التحديات الاقتصادية والسياسية أدى ويؤدي إلى حالة عدم الاستقرار, فمن أسباب المشكلات الاقتصادية افتقار الأنظمة السياسية إلى الإدارة والمهارة اللازمين لإنجاز مهمة التغيير.

- يهدف هذا البحث إلى توضيح الأسباب العميقة لظاهرة عدم الاستقرار في المنطقة العربية وإلى إثبات أن العوامل الاقتصادية والسياسية تلعب الدور الأكبر في هذه الحالة, كما يهدف إلى تحليل العوامل والأسباب من أجل الوصول إلى مجموعة من النتائج تؤدي إلى فهم أكبر لظاهرة عدم الاستقرار وأثرها على التنمية الاقتصادية, وكذلك إلى التوصل لمقترحات وحلول لمعالجة المشكلات الاقتصادية والسياسية.

لقد أدى تزايد اعتماد الدول العربية على مصادر خارجية لسداد فواتير الواردات من السلع المصنعة والزراعية والغذائية إلى تزايد مديونية الدول العربية التي وصلت إلى ( 149 ) مليار دولار عام 2005.

  كما أن المنطقة العربية لم تستطع جذب التدفقات الرأسمالية المتناسبة مع فرص الاستثمار المتاحة, فلم يتجاوز نصيب الدول العربية من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عام 2005 أكثر من ( 4 % ) فقط مع العلم بأن فوائض الأموال العربية التي يتم استثمارها خارج المنطقة العربية تتراوح ما بين ( 800 – 2400 ) مليار دولار بحسب تقديرات المؤسسة العربية لضمان الاستثمار ومجلس الوحدة الاقتصادية العربية. 

لقد دخلت أوضاع الزراعة العربية مرحلة حرجة تتمثل بتنامي الطلب على المنتجات الزراعية والغذائية نتيجة ارتفاع معدلات النمو الديمغرافي وارتفاع أسعار المواد الغذائية في الأسواق العالمية وتقلص الأهمية النسبية للقطاع الزراعي في الهياكل الاقتصادية العربية وهذا ما أدى إلى تفاقم العجز الغذائي وبالتالي اللجوء إلى المصادر الخارجية لسد هذا العجز، ويتزامن ذلك مع تراجع نصيب الفرد من الإنتاج الزراعي وتدني نسبة الناتج الزراعي إلى الناتج المحلي الإجمالي من ( 12.2 % ) عام 1990 إلى ( 6.7 % ) عام 2005.

وتبلغ قيمة الفجوة الغذائية للدول العربية بالنسبة للسلع الرئيسية ( 16.1 مليار دولار ) عام 2004 وهذه الفجوة تتصف بعدم الاستقرار وبالتذبذب من عام لآخر.

كما تعتبر الدول العربية من أكثر مناطق العالم فقراً بالموارد المائية حيث يبلغ المعدل السنوي لنصيب الفرد العربي من المياه ( 1000م3 ) مقابل ( 7500م3) على مستوى العالم، ومن المتوقع أن ينخفض نصيب الفرد العربي من المياه إلى ( 500م3 ) عام 2025 في ضوء معدلات النمو السكانية المرتفعة وتناقص كميات المياه التي ترد إلى الدول العربية من الأنهار المشتركة التي تنبع من الدول المجاورة والتي تشكل ( 50 % ) من كميات المياه المتاحة فالفجوة المائية العربية والطموح الإقليمي لبعض دول الجوار الجغرافي وغيرها من العوامل تتشابك وتتقاطع لتصنع مجموعة من المشكلات الممتدة من الماضي إلى الحاضر فالمستقبل، فمن المتوقع أن يصبح نقص المياه العذبة أخطر مشكلة سوف يواجهها العالم عام 2020 إلى درجة دعت علماء العلاقات الدولية إلى اعتبار الحروب القادمة مبعثها الصراع على الموارد المائية وليس على موارد الطاقة مع العلم أن العجز المائي اللازم لإنتاج الغذاء محلياً استناداً إلى الزيادة المحتملة في عدد السكان وزيادة الطلب على المياه لكافة الاستعمالات ومقارنتها بالموارد المائية المتاحة يقدر بنحو ( 58 مليار م3 ) بالسنة ونظراً لعدم القدرة على زيادة الموارد المائية المستغلة في الزراعة والمقدرة بحوالي ( 297 مليارم3 ) فمن المتوقع ارتفاع العجز المائي للزراعة عام 2030 إلى ( 378 مليار م3 ) وبذلك فإن إشكالية تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي العربي تتفاعل مع إشكالية نقص الموارد المائية لتشكل أزمة المياه في المنطقة العربية.

كما تبرز النزاعات المائية كعامل هام من عوامل عدم استقرار المنطقة من خلال الاعتداءات الإسرائيلية على المياه العربية في سورية ولبنان والأردن وفلسطين المحتلة والأطماع الإقليمية لدول الجوار الجغرافي كتركية وإثيوبية.

كما يلعب النفط دوراً هاماً ورئيسياً في عدم استقرار المنطقة حيث أن الاعتماد على هذه المادة يسبب عمليات إعادة تحالف سياسية تحد من قدرة الدول الكبرى على تكوين شراكات لتحقيق الأهداف المشتركة، كما أن الدول العربية المصدرة للنفط تعاني من عجز في الميزانيات في ظل توفر عائدات النفط وبالتالي فإن الحالة سوف تكون أخطر في ظل تراجع أو غياب العائدات النفطية وخاصةً مع زيادة متطلبات الإنفاق الأمر الذي يتطلب التفكير بإجراءات عملية والتضامن مع الذات ومع الأجيال القادمة. 

إن كل ما سبق، من مظاهر سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية، قد ترك أثره على التنمية الاقتصادية في المنطقة العربية، وهذا ما تجلى في عدة نتائج اقتصادية تبلورت في ضعف معدلات النمو الاقتصادي ومتوسط دخل الفرد، واختلال البنية الهيكلية للاقتصاد وتبعيته للخارج، بسبب انخفاض سعر صرف العملات المحلية وتراجع الاحتياطي من الصرف الأجنبي، وارتفاع حجم العجز في ميزان المدفوعات وميزانية الدولة، وتفاقم مشكلة التضخم، إضافةً إلى مشكلة الفساد الإداري والمالي التي تترك آثاراً اقتصادية واجتماعية بالغة الخطورة على الدول العربية التي تقبع في أسفل قائمة الشفافية الدولية، حيث تبلغ قيمة الأموال الناتجة عن الفساد الإداري والمالي في الدول العربية (300 مليار دولار) سنوياً وهو أكبر من حجم دخل النفط في الدول العربية وهذا ما يتسبب في عرقلة خطط التنمية والرفاهية وانتشار الفقر والمرض والبطالة.    

 نتائج البحث

1- إن التطور الاجتماعي – الاقتصادي - السياسي الذي مهد لظهور الفردية في الدول الغربية، لم يحصل في الدول العربية التي تفتقر إلى التصنيع.

2- إنّ الصراعات الداخلية العربية ذات طبيعة مركبة سياسيّة واجتماعية واقتصادية وثقافية ودينيّة، بأبعاد داخلية وخارجية، وكذلك ذات امتدادات تاريخيّة, وهذه الصّراعات الدّاخليّة العربية تحظى باهتمام القوى الإقليمية والدّولية.

3- إن نشوء الكيانات القطرية العربية بشكل قسري، لا تتجانس فيه الحدود السياسية مع الحدود الثقافية والاجتماعية أو العرقية أو القبلية والعشائرية، يلعب دوراً هاماً في عدم الاستقرار.

4- أدت المتغيرات الدولية إلى انتعاش التيارات الأصولية التي رأت في العودة إلى التراث رداً على إخفاق الفكر القومي والاشتراكي.

5- غياب التخطيط القومي وهيمنة التخطيط القطري كان له الدور الأكبر في إخضاع الاقتصاد الوطني في الدول العربية للاقتصاد العالمي, وانكشافه واعتماده عليه في نشاطاته وعملياته.

6- إن مشكلة البطالة من أخطر المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية التي تواجه الدول العربية وتهدد استقرارها حيث تصل معدلات البطالة إلى ( 15 % ).

7-  تبلغ قيمة الأموال الناتجة عن الفساد الإداري والمالي ( 300 ) مليار دولار سنوياً, وهو أكبر من حجم دخل النفط في الدول العربية..

المقترحات والتوصيات

1- في ظل الإخفاقات الحاصلة في تحقيق التنمية بمفهومها الشامل, واستمرار التحديات المتمثلة في التناقضات الهيكلية, والمستجدات ذات الطبيعة السياسية والاقتصادية, لا بد أن تبدأ التنمية بالتنمية القطرية, على ألا يُنظر إليها بمعزل عن حركة العمل الاقتصادي العربي المشترك.

2- لا بد أن تتبع الدول العربية مجموعة من السياسات الطويلة الأمد وأن تواجه التحديات المؤسساتية لإكمال ثلاثة تحولات محورية مترابطة في اقتصاداتها:

- من اقتصادات يسيطر عليها القطاع العام إلى اقتصادات تعتمد على المشاركة الفعالة لبقية القطاعات الاقتصادية.

- من السياسات الاقتصادية المغلقة إلى سياسات أكثر انفتاحاً.

- من السياسات الاقتصادية المتقلبة المعتمدة على النفط إلى سياسات أكثر استقراراً وتنوعاً.

3- إحياء المشروع العربي النهضوي المتمثل في التنمية المستقلة التكاملية, بعد إعادة نظر نقدية شاملة في آليات ووسائل هذا المشروع وتجديدها في ضوء المستجدات العربية والدولية.

4- إن الارتباط قوي بين التنمية البشرية والنمو الاقتصادي, وعندما يتغير النشاط الاقتصادي ويتراجع النمو الاقتصادي, تبرز ضرورة الإصلاح الاقتصادي, الذي يجب أن يعالج الاختلالات في الاقتصاد الوطني, باتباع سياسات مالية واقتصادية جديدة تولد فرص عمل أكثر, تهيئ قوة عمل أفضل تدريباً وتعليماً وأعلى إنتاجيةً.

5- تطوير برامج تمويل المشروعات الصغيرة بما يسهم في حل مشكلة البطالة, مع إعطاء الفرصة كاملة للنساء في الحصول على التمويل.

6- مواجهة التزايد السكاني وما يفرضه من زيادة أعباء الخدمات, من خلال حملات توعية في وسائل الإعلام.

7- الربط بين الإصلاح الاقتصادي والإصلاح السياسي, وإعادة تحديد مقومات العقد الاجتماعي على أساس علاقات أكثر إنتاجية بين الدولة والعمالة والقطاع الخاص.

8- تشجيع تجديد الخطاب الديني سعياً لتجسيد الطابع الحضاري التنويري, ومواجهة كل أشكال التشدد والتعصب.

9- إعلان الدول العربية عن خطط واضحة وبرامج زمنية محددة للإصلاح المؤسسي والهيكلي, وتحديد دور الدولة بدقة وبما يجعلها محفزة للنشاط الاقتصادي.

10- إعطاء القطاع العام والقطاع الخاص الحرية للعمل في المجالات التي يتمتعان فيها بمزايا نسبية ومؤهلات اقتصادية.

11- الالتزام بخطط واضحة لإحداث تغيير جذري في الجهاز الإداري والحكومي والحد من الحواجز البيروقراطية التي تعيق سرعة الأداء.

12- رفع كفاءة الأداء في الجهات الحكومية التي تتعامل مع المستثمرين والمستوردين والمصدرين وخاصةً فيما يتعلق بالضرائب والجمارك وإصدار التراخيص.

13- وضع معايير أكثر دقة ومتابعة للجودة وإشاعة ثقافة الجودة لدى المؤسسات الاقتصادية وخاصةً الحكومية.

14- العمل على إيجاد بدائل محلية للطاقة, كطاقة الرياح والطاقة الشمسية وخاصة أن المنطقة العربية تتوفر فيها مثل تلك البدائل.

15- زيادة الإنتاج وما تتضمنه من زيادة الإنتاج الغذائي من حيث الكم والنوع, وزيادة المساحات المزروعة, وتحسين كفاءة استخدام مياه الري والشرب.

16- تفعيل عملية الأداء الاقتصادي العام وربط ذلك بالسلوك الفردي والجماعي, ومواجهة الانحرافات السلوكية في العمل والعادات السيئة المكتسبة كالتواكل وهدر الوقت وعدم الانضباط وعدم الشعور بالمسؤولية والانفلات الاستهلاكي.

17- إصدار تشريعات أكثر فاعلية للحد من انتشار الفساد بكافة أنماطه لما له من أثر سلبي على التنمية الاقتصادية.

18- تصحيح السياسات الاقتصادية للحد من تراجع مستوى المعيشة ومتوسط دخل الفرد وما يترتب على ذلك من تراجع مؤشرات التنمية البشرية بعناصرها المختلفة, وخاصةً المتعلقة بالصحة والتعليم.

19- تحديث البنية التحتية لدورها الهام في النشاط الاقتصادي, وتحديث شبكة الطرق والسكك الحديدية والنقل البري والجوي والبحري.

20- الاهتمام بنشر التكنولوجيا ومفاهيم الاقتصاد المعرفي, وتمكين الأفراد من استخدام الشبكة الدولية بتحديث قطاع الاتصالات.

21- إعادة النظر بالسياسة الضريبية وأسلوب فرض الضريبة وتحصيلها, ومكافحة ظاهرة التهرب الضريبي من خلال فهم أسبابها ورفع مستوى الوعي الضريبي عند الأفراد, والتأكيد على أن زيادة حصيلة الضرائب يكون بالتنمية وزيادة النشاط الاقتصادي وليس بسحب السيولة من الأفراد.

22- التصدي لظاهرة تلوث البيئة وتطوير آليات الحفاظ على البيئة النظيفة من خلال التعاون مع الأفراد والمؤسسات والدول المجاورة في الدراسات والبحوث.

23- يستلزم التحول إلى اقتصاد السوق والاندماج في الاقتصاد العالمي توسيع رأس المال البشري وتعميقه, ولذلك لا بد من الاهتمام بنوعية التعليم ومواكبة المناهج العلمية المتطورة.  

  يذكر بأن الباحث ذوالفقار عبود يعمل رئيساً لدائرة الإعداد والتدريب في مديرية تربية اللاذقية وعضواً في اللجنة الاستشارية لمدير التربية وعضواً في لجنة تطوير تأهيل المدرسين في وزارة التربية وعضو جمعية العلوم الاقتصادية السورية وقد كلّف بعدة مهام نقابية وحزبية وفي المنظمات الشعبية.

وقد أجيزت الرسالة بعلامة قدرها ( 90 ) درجة وتقدير ( امتياز ).