رباعيات الخيام
اجمل القصائد المترجمة في التاريخ
لعمر الخيام

ترجمة احمد رامي 

 


سمعتُ صوتاً هاتفاً في السّحَر

نادى مِن الحانِ : غُفاة البشَر

هبُّوا املأوا كأس الطلى قبَل أن

تَفعم كأس العمرْ كفّ القدَر

***

أحسُّ في نفسي دبيب الفناء

ولم أصَب في العيشِ إلاّ الشقاء

يا حسرتا إن حانَ حيني ولم

يُتحْ لفكري حلّ لُغز القضاء

***

أفق وهات الكأس أنعمُ بها

واكشف خفايا النفس مِن حُجبها

وروّ أوصالي بها قَبلَما

يُصاغ دنّ الخمَر مِن تُربها

***

تروحُ أيامي ولا تغتدي

كما تهبُّ الريح في الفدفدِ

وما طويتَ النفس هماً عَلى

يومين : أمسْ المنقضى والغدِ

***

غدٌ بِظَهْرِ الغيب واليوم لي

وكم يخيبُ الظنُّ في المقبلِ

ولَستُ بالغافلِ حتى أرى

جمالَ دنيايَ ولا أجتلي

***

سمعتُ في حلمي صوتاً أهابَ

ما فتَّق النّوم كمام الشبابَ

أفق فإنَّ النّوم صنو الردى

واشرب فمثواكَ فراش الترابَ

***

قَد مزَّق البدرُ سنَار الظلام

فأغنم صفَا الوقت وهات المدام

واطرب فإنَّ البدر مِن بعدنا

يسري علينا في طباقِ الرغام

***

سأنتحي الموتَ حثيث الورود

ويَنمحي اسمي مِن سجِل الوجود

هات أسقنيها يا مُنى خاطري

فغايةُ الأيام طولْ الهجود

***

هات أسقنيها أيهذا النديم

أخضَب مِن الوجهِ اصِفرار الهموم

وإن أمُتْ فاجعَل غسولي الطلى

وقدَّ نعشيَ مِن فروعِ الكروم

***

إن تُقتلَع مِن أصلِها سُرحتي

وتصبحُ الأغصان قَد جفَّت

فصغْ وعاء الخمَر مِن طينتي

واملأهُ تسرِ الروح في جثتي

***

لَبستُ ثوبَ العيش لم أُستشَر

وحرتُ فيه بين شتّى الفِكَر

وسوفَ أنضو الثوب عنّي ولم

أُدرك لماذا جئتُ ، أينَ المقر

***

نمضي وتبقى العيشةُ الراضية

وتنمحي آثارُنا الماضية

فقَبل أن نَحيا ومِن بعدِنا

وهذه الدُنيا علَى ما هيه

***

طَوت يدُ الأقدار سفرَ الشباب

وصوَّحت تلكَ الغصون الرطاب

وقَد شدا طيرُ الصبى واختفى

متى أتى . يا لهفا . أينَ غاب

***

الدهرُ لا يعطي الَّذي نأمل

وفي سبيلِ اليأس ما نَعمَل

ونحنُ في الدُنيا علَى همّها

يسُوقنا حادي الردى المُعجّل

***

أفق خفيفَ الظَّل هذا السّحَر

وهاتها صرفاً ونَاغِ الوتر

فما أطاَل النّوم عمراً ولا

قصَّر في الأعمارِ طول السهَر

***

اشرب فمثواكََ التراب المهيلِ

بلا حبيب مؤنسٍ أو خليل

وانشق عبير العيش في فجرهِ

فليسَ يزهو الورد بعدَ الذبولِ

***

كم آلم الدهر فؤاداً طعين

وأسلم الروح ظعين حزين

وليسَ ممَن فاتَنا عائدٌ

أسألهُ عن حالةِ الراحلين

***

يا دهرُ أكثرت البلى والخراب

وَسُمْتَ كُلّ الناس سوء العذاب

ويا ثرى كم فيكَ مِن جوهرٍ

يبينْ لو يُنبَش هذا التراب

***

وكم توالى الليل بعدَ النهار

وطالَ بالأنجمِ هذا المدار

فامشِ الهوينا إنَّ هذا الثرى

مِن أعينٌ ساحرةِ الأحورار

***

أينَ النديم السمح أينَ الصبوح

فقد أمضَّ الهمّ قلبي الجريح

ثلاثةٌ هنّ أحبُّ المُنى

كأسٌ وأنغامٌ ووجهٌ صبيح

***

نفُوسنا ترضى احتِكام الشراب

أرواحنا تفدى الثنايا العِذاب

وروح هذا الدنَّ نستّلهُ

ونستقيهِ سائِغاً مُستطَاب

***

يا نفسَ ماهذا الأسى والكدر

قَد وقعَ الإثم وضاع الحذر

هَل ذاقَ حلو العفوَ إلاّ الَّذي

أذنبَ والله عفَا واغتفر

***

نلبسُ بينَ الناس ثوب الرياء

ونحنُ في قبضةِ كفّ القضاء

وكم سعينا نرتجي مهرباً

فكانَ مسعَانَا جميعاً هباء

***

لم تَفتَحَ الأنفسَ باب الغيوب

حتى تَرى كيفَ تسأم القلوب

ما أتعس القلبَ الَّذي لم يَكد

يلتأم حتى أنكأتهُ الخطوب

***

عامل كاهليك الغريب الوفي

واقطع مِن الأهلِ الَّذي لا يفي

وعِف زلالاً ليسَ فيه الشفا

واشرب زعافَ السمّ لو تشتفي

***

أحسن إلى الأعداء والأصدقاء

فإنَّما أُنس القلوب الصفَاء

واغفر لأصحابكَ زلاّتهم

وسامح الأعداء تَمْحُ العِداء

***

عاشر مِن الناسِ كبار العقول

وجانب الجهّال أهل الفضول

واشرب نقيعَ السمّ مِن عاقلٍ

واسكب علَى الأرضِ دواء الجهول

***

يا تارك الخمرَ لماذا تلوم

دعني إلى ربي الغفور الرحيم

ولا تُفاخرني بهجرِ الطلى

فأنتَ جانِ في سوِاها أثيم

***

أطفىء لظَى القلب ببرد الشراب

فإنَّما الأيام مثلَ السحَاب

وعيشُنا طيف خيالٍ ، فَنل

حظّكَ منهُ قبلَ فوَت الشباب

***

بستانُ أيامك نامي الشجَر

فكيفَ لا تقطفُ غضّ الثمَر

اشرب فهذا اليوم إن أدبرت

به اللَّيالي لم يعدهُ القدر

***

جادت بساط الروض كفُّ السحَاب

فنزّه الطرفَ وهات الشراب

فهذه الخضرةَ مِن بِعدنا

تنمو علَى أجسادِنا في التراب

***

وإن توافِ العشب عندَ الغدير

وقَد كسَا الأرض بساطاً نضير

فامشِ الهوينا فوقهُ . إنه

غذّتهُ أوصالُ حبيبٌ طرير

***

يا نَفس قَد آدكِ حملُ الحزن

يا روح مقدور فُراق البدن

إقطف أزاهير المُنى قبلَ أن

يجفَّ مِن عيشك غضّ الفنن

***

يحلو ارتشاف الخمَر عندَ الربيع

ونشرُ أزهار الروابي يضوع

وتعذّب الشكوى إلى فاتنٍ

علَى شفا الوادي الخصيب الينيع

***

فلا تَتب عن حسوِ هذا الشراب

فإنَّما تَندمُ بعدَ المتَاب

وكيفَ تصحو وطيور الربى

صدّاحةٌ والروض غضّ الجناب

***

زخارفُ الدُنيا أساس الألم

وطالبُ الدُنيا نديم الندم

فكن خليَّ البال مِن أمرها

فكلُّ ما فيها شقاءٌ وهم

***

وأسعدْ الخلقْ قليل الفضول

مَن يهجر الناس ويرضى القليل

كأنهُ عنقاءَ عندَ السّهى

لا بومةٌ تنعبُ بينَ الطلول

***

مَن يحسبَ المال أحبَّ المُنى

ويزرع الأرضَ يريد الغِنى

يفارق الدُنيا ولم يُختَبر

في كدَّهِ أحوال هذى الدُنى

***

سرى بجسمي الغضَّ ماء الفناء

وسار في روحي لهيب الشقاء

وهمتُ مثلَ الريحَ حتى ذرَت

تُرابَ جسمي عاصفات القضاء

***

يامَن يَحارُ الفَهمُ في قدرتك

وتطلبُ النَفسُ حمى طاعتك

أسكرَني الإثمُ ولكنّني

صحوَت بالآمال في رحمتك

***

لم أشرب الخمَر ابتغاء الطرَب

ولا دعتني قلّةٌ في الأدب

لكنَّ إحساسي نزّاعاً إلى

إطلاق نفسي كانَ كلّ السبب

***

أفنيتُ عمري في اكتناهِ القضاء

وكشفُ ما يحجبهُ في الخفاء

فلم أجد أسرارهُ وانقضى

عمري وأحسستُ دبيب الفناء

***

أطاَل أهل الأنَفس الباصره

تفكيرهم في ذاتِك القادره

ولم تزلْ يا ربْ أفهامهم

حيرى كهذى الأنجمُ الحائره

***

لم يجنِ شيئاً مِن حياتي الوجود

ولن يضير الكون أنَّي أُبيد

وا حيرتي ما قالَ لي قائلٌ

ماذا اشتعالُ الروح ! كيفَ الخمود

***

إذا انطوى عيشي وحانَ الأجل

وسدَّ في وجهي باب الأمل

قَرَّ حبَاب العمر في كأسهِ

فَصَّبها للموتِ ساقي الأزل

***

إن لم أكنْ أخلصتُ في طاعتك

فإنّني أطمعُ في رحمتك

وإنَّما يشفعُ لي أنّني

قَد عشتُ لا أُشرك في وحدتك

***

يا ربْ هيىء سببَ الرزق لي

ولا تذقني منّةَ المُفضلِ

وابقني نشوانَ كيما أرى

روحي نَجتْ مِن دائِها المعضلِ

***

أفنيت عمري في ارتقابِ المُنى

ولم أذق في العيشِ طعم الهنا

وإنَّني أُشفقَ أن يَنقَضي

عمري وما فارقت هذا العَنا

***

لم يبرحَ الداء فؤادِي العليل

ولم أنل قصدي وحانَ الرحيل

وفات عمري وأنا جاهلٌ

كتابَ هذا الدهر جمّ الفصول

***

صفَا لكَ اليوم ورقَّ النسيم

وجالَ في الأزهارِ دمع الغيوم

ورجّعَ البلبل ألحانهُ

يقول هيّا اطرب وخلّ الهموم

***

الدرع لا تمنعُ سهم الأجل

والمال لا يدفعهُ إن نزل

وكلُّ ما في عيشنا زائلٌ

لا شىءَ يبقى غيرَ طيب العمل

***

اللهُ يدري كلُّ ما تُضمر

يعلمُ ما تُخفي وما تُظهر

وإن خدعتَ الناس لم تستطع

خدِاع مَن يطوي ومَن يَنشر

***

وإنَّما بالموت كلٌ رهين

فاطرب فما أنتَ مِن الخالدين

واشرب ولا تَحمل أسىً فادحاً

وخلّ حمل الهم للاحقين

***

رأيت خزّافاً رحاهُ تَدور

يجدُّ في صوغِ دنانِ الخمور

كأنهُ يخلطُ في طينها

جمجمة الشاهِ بساق الفقير

***

تمتلكُ الناس الهوى والغرور

وفتنةُ الغيدِ وسُكنى القصور

ولو تُزال الحجبُ بانت لهم

زخارف الدُنيا وعُقبى الأمور

***

إن الَّذي تأنس فيه الوفاء

لا يحفظ الودَّ وعهدَ الأخاء

فعاشر الناس علَى ريبةٍ

منهم ولا تُكثر مِن الأصدقاء

***

زاد الندى في الزهرِ حتى غدا

مُنحنياً مِن حملِ قطر الندى

والكُم قَد جمعَ أوراقهُ

فظلَّ في زهرِ الربى سيّدا

***

وأسعد الخلق الَّذي يُرزق

وبابهُ دونَ الورى مُغلق

لا سيَّد فيهم ولا خادم

لهم ولكن وادعٌ مُطلق

***

قلبي في صدري أسيرٌ سجين

تُخجلهُ عشرةُ ماءٍ وطين

وكم جرى عزمي بتحطيمه

فكانَ يَنهاني نداءُ اليقين

***

مصباحُ قلبي يستمدُ الضياء

مِن طلعةِ الغيدِ ذوات البهاء

لكنّني مثلَ الفراش الَّذي

يسعى إلى النّورِ وفيهِ الفناء

***

طبعي ائتناسي بالوجوه الحِسان

وديدني شرِبَ عِتاق الدِنان

فاجمع شتات الحظَّ وانعم بها

مِن قبلِ أن تطويكَ كفّ الزمان

***

تَعاقبُ الأيام يُدني الأجل

ومرّها يطويكَ طيّ السجِل

وسوف تَفنى وهي في كرّهِا

فقَضّ ما تغنمهُ في جذل

***

لا تَشغل البَال بماضي الزمان

ولا بَآتي العيش قبلَ الأوان

واغنم مِن الحاضرِ لذّاتهِ

فليسَ في طبعِ اللَّيالي الأمان

***

قيلَ لدى الحشر يكون الحساب

فيغضب الله الشديدَ العقاب

وما انطوى الرحمن إلاّ علَى

إنالةِ الخير ومنح الثواب

***

كانَ الَّذي صوّرني يعلمُ

في الغيبِ ما أجني وما آثمُ

فكيفَ يجزيني علَى أنّني

أجرمتُ والجرمُ قضاً مبرمُ

***

هات اسقني كأس الطلى السلسلِ

وغنّني لحناً مع البلبلِ

فإنَّما الإبريق في صبهِ

يَحكي خرير الماء في الجدولِ

***

الخمَرُ في الكأسِ خيالٌ ظريف

وهي بجوفِ الدنّ روحٌ لطيف

أبعد ثقيل الظَّل عن مجلسي

فإنَّما للخمَر ظلٌ خفيف

***

بابُ نديمي ذو الثنايا الوضاح

وبيننا زهرٌ أنيقٌ وراح

وافتضَّ مِن لؤلؤِ أصدافها

فافترَّ في الآفاقِ ثغرُ الصباح

***

نارُ الهوى تمنعُ طيب المنام

وراحةُ النفس ولذُّ الطعام

وفاتر الحبُّ ضعيف اللّظى

منطفىء الشعلةَ خابي الضرام

***

القلبُ قَد أضناهُ عِشق الجمال

والصدرُ قَد ضاقَ بما لا يُقال

يا ربْ هل يُرضيك هذا الظما

والماءُ ينساب أمامي زُلال

***

خلقتني يا ربْ ماءً وطين

وصغتني ما شئتَ عزاً وهون

فما احتيالي والَّذي قَد جرى

كتبتهُ يا ربْ فوقَ الجبين

***

ويا فؤادي تلكَ دُنيا الخيال

فلا تنؤ تحتَ الهموم الثقال

وسلّم الأمر فمَحوَ الَّذي

خطّت يدُ المقدار أمرٌ مُحال

***

وإنَّما نحنُ رخاخ القضاء

ينقلنا في اللوحِ أنّى يشاء

وكلُّ مَن يفرغ مِن دورهِ

يُلقَى به في مستقّرِ الفناء

***

رأيتُ صفّاً مِن دنانٍ سرى

ما بينها همسُ حديثٍ جرى

كأنّها تسألُ : أينَ الَّذي

قَد صاغَنا أوباعَنا أو شرى

***

سطا البلى فاغتالَ أهلَ القبور

حتى غدوا فيها رُفاتاً نَثير

أينَ الطلى تتركني غائباً

أجهلُ أمر العيشَ حتى النشور

***

إذا سقاني الموت كأس الحمام

وضمَّكم بعدي مجال المدام

فأفردوا لي موضعي واشربوا

في ذكرِ مَن أضحى رهين الرجام

***

عن وجنة الأزهار شفَّ النقاب

وفي فؤادي راحةٌ للشراب

فلا تَنمْ فالشمس لما يزل

ضياؤها فوقَ الربى والهضاب

***

فكم علَى ظهرِ الثرى مِن نيام

وكم مِن الثاوينِ تحت الرغام

وأينما أرمي بعيني أرى

مشيّعاً أو لهزةً للحمام

***

يا ربْ في فهمك حَار البشرْ

وقصَّر العاجز والمقتدرْ

تَبعثُ نجواكَ وتبدو لهم

وهم بلا سمعٍ يعي أو بصَرْ

***

بيني وبينَ النفس حربٌ سجَال

وأنتَ يا ربي شديدَ المحُال

أنتظر العفو ولكنّني

خَجلان مِن علمك سوء الفعال

***

شقَّت يدُ الفجر سِتار الظلام

فانهض وناولني صبوح المدام

فكم تُحيّينا لهُ طلعةٌ

ونحنُ لا نملكُ ردَّ السلام

***

مُعاقروا الكأس وهم سادرون

وقائموا اللَّيل وهم ساجدون

غرقى حيارى في بحارِ الُنّهى

والله صاحٍ والورى غافلون

***

كُنّا فَصرنا قطرةٌ في عباب

عشنا وعُدنا ذرّةٌ في التراب

جئنا إلى الأرضِ ورحنا كما

دبَّ عليها النمل حيناً وغاب

***

لا أفضح السرّ لعالٍ ودون

ولا أطيل القول حتى يبَين

حالي لا أقوى علَى شرحها

وفي حنايا الصدر سرّي دفين

***

أولى بهذى الأعين الهاجده

أن تغتدي في أُنسها ساهده

تَنَّفَس الصبحُ فقم قبلَ أن

تحرمهُ أنَفَاسنا الهامده

***

هل في مجالِ السكون شىءٌ بديع

أحلى مِن الكأسِ وزهرُ الربيع

عجبتُ للخمّار هل يشترى

بمالهِ أحسنَ مما يبيع !0

***

هوى فؤادي في الطلى والحباب

وشجو أذني في سماعِ الرباب

إن يَصغْ الخزّاف مِن طينتي

كوباً فأترعُها ببرد الشراب

***

يا مدَّعي الزهدَ أنا أكرمُ

مِنكَ ، وعقلي ثملاً أحكمُ

تَستنزفُ الخلقَ وما أستقي

إلاّ دمُ الكرم فمَن آثمُ

***

الخمَرُ كالورد وكأس الشراب

شفّت فكانت مثل وردٍ مُذاب

كأنَّما البدر نَثا ضوءهِ

فكان حوَل الشّمس منهُ نقاب

***

لا تَحسبوا أنّي أخاف الزمان

أو أرهب الموت إذا الموت حان

الموت حقٌ . لَستُ أخشى الردى

وإنَّما أخشى فوات الأوان

***

لا طيبَ في الدُنيا بغيرِ الشراب

ولا شجيَّ فيها بغيرِ الرباب

فكّرت في أحوالهِا لم أجد

أمتعُ فيها مِن لقاءِ الصحاب

***

عش راضياً واهجر دواعي الألم

واعدل مع الظَالم مهما ظلَم

نهايةُ الدُنيا فناءٌ فَعش

فيها طليقاً واعتبرها عدم

***

لا تأمل الخلَّ المقيم الوفاء

فإنَّما أنتَ بدنيا الرياء

تحمَّل الداء ولا تلتمس

لهُ دواءً وانفرد بالشقاء

***

اليوم قَد طابَ زمان الشباب

وطابت النفس ولذَّ الشراب

فلا تَقُل كأس الطلى مُرّةٌ

فإنَّما فيها مِن العيشِ صاب

***

وليسَ هذا العيش خلداً مقيم

فما اهتمامي مُحدثٌ أم قديم

سنَترك الدُنيا فما بالنا

نضيّعُ منها لحظَات النعيم

***

حتَّامٌ يُغري النفس برقّ الرجاء

ويُفزع الخاطَر طيف الشقاء

هات اسقنيها لَستُ أدري إذا

صعَّدتُ أنفاسي رددتُ الهواء

***

دنياكَ ساعات سُراع الزوال

وإنَّما العُقبى خلود المآل

فهل تَبيع الخُلد يا غافلاً

وتشتري دنيا المُنى والضّلال

***

يامَن نسيتَ النار يوم الحساب

وعفَت أن تشربَ ماء المتَاب

أخافُ إن هبَّت رياح الردى

عليكَ أن يأنفَ مِنكَ التراب

***

يا قلب كم تشقى بهذا الوجود

وكلّ يوم لك همٌ جديد

وأنتِ يا روحي ماذا جنَتْ

نفسي وأُخراكِ رحيلٌ بَعيد

***

تناثرتْ أيام هذا العمرْ

تنَاثرُ الأوراق حوَل الشجرْ

فانعم مِن الدُنيا بلذّاتها

مِن قبلِ أن تسفيكَ كفّ القدر

***

لا توحشَ النفس بخوف الظّنون

واغنم مِن الحاضرِ أمَنْ اليقين

فقد تساوى في الثرى راحلٌ

غداً وماضٍ مِن ألوف السنين

***

مررتُ بالخزّاف في ضحوةٍ

يصوغُ كوب الخمَر مِن طينةٍ

أوسعَها دعّاً فقاَلت لهُ

هل أقفرَتْ نَفسُكَ مِن رحمةٍ

***

لو أنّني خُيَّرت أو كانَ لي

مفتاحُ باب القدر المقفلِ

لاخترتَ عن دنيا الأسى أنّني

لم أهبطَ الدُنيا ولم أرحلِ

***

هبطتُ هذا العيش في الآخرين

وعشتُ فيه عيشةَ الخاملين

ولا يوافيني بما ابتغي

فأينَ منّي عاصفات المنون