تشومسكى يفكك الأهداف الأمريكية للسيطرة على الإعلام

2008-05-19

 

"أن يقولوا الصدق، وأن يفضحوا الأكاذيب". هكذا كان رد المفكر الأمريكى الألمعى نعوم تشومسكى عندما سئل عن مسؤولية المثقفين. مناسبة هذا الكلام مرتبطة بالاطلاع على جديد الترجمات العربية لأعمال هذا الاسم الكبير فى أعين الباحثين عن الحقيقة، و"المغضوب عليه" من قبل أعداء الحقيقة بالطبع. نتحدث عن كتاب "السيطرة على الإعلام"، والذى ترجمه الباحث المغربى أميمة عبد اللطيف.

حرى بنا فى البداية الإشارة إلى بعض المؤاخذات والمرتبطة بضيف هذا العرض، على اعتبار أن هذا الأخير لا يتضمن أى تمهيد حول المقالات المترجمة من جهة، من باب أضعف الإيمان، على الأقل، فنحن نقف أمام أعمال لإسم مرموق عالميا، ومن جهة ثانية، ثمة تغييب مطلق للمراجع التى اقتبست منها هذه المقالات والمداخلات!

صحيح أن المطلع على أعمال تشومسكى لا يسعه إلا أن يقر بأن ما نطلع عليه فى "السيطرة على الإعلام" صدر بالفعل فى هذا الكتاب أو ذاك، أو جاء فى إحدى مداخلات تشومسكى العديدة فى ربوع العالم بأسره، لولا أننا نرى بأنه من الناحية المبدئية على الأقل، كان أولى من المترجم الإشارة، من باب الأمانة العلمية، إلى المصادر التى اعتمدها فى نشر هذا العمل. ولهذا السبب سوف نقتبس أهم قراءات تشومسكى لأحداث الساحة، تلك المتعلقة تحديدا بموضوع الإعلام وأدواره فى السيطرة على الجمهور، أو بتعبير أدق، ضبط الجمهور، انطلاقا مما اطلعنا عليه فى مؤلفات أخرى، ونخص بالذكر كلا من المؤلفات التالية: "تواريخ الانشقاق" "مجموعة حوارات مطولة أجراها ديفيد بارساميان مع نعوم تشومسكي. ترجمة محمد نجار. الأهلية للنشر والتوزيع.

عمان، "النظامان العالميان: الجديد والقديم"، "ردع الديمقراطية" ـ أو "إعاقة الديمقراطية" حسب ترجمة صادرة عن مركز دراسات الوحدة العربية ـ ترجمة فاضل جتكر عن مؤسسة عيبال للدراسات والنشر، "ماذا يريد العم سام؟ ترجمة عادل المعلم. دار الشروق. القاهرة، "سنة 501: الغزو مستمر" "ترجمة مى النبهان. دار المدى للثقافة والنشر. دمشق".

يرى المترجم، وهو محق فى ذلك، وعلى أكثر من صعيد، أن تشومسكى يبقى أكثر الأمريكيين تعبيرا عن ضميرهم العميق وإرادتهم المكبوتة أو المحرفة أو المخدوعة. أما اختيار عنوان "السيطرة على الإعلام" عنوانا لهذا الكتيب، فالسبب مرتبط أساسا، لكون موضوع الإعلام وحروبه، يبقى موضوع الوقت الرهان وحروبه، ومن أفضل من نعوم تشومسكى العالم المدقق والموثق والمجتهد، يستطيع فصل المقال فيه بأصدق عبارة وأدق إشارة وأبلغ خطاب.

كيف لا يكون الأمر كذلك، وديفيد بارساميان، الصحافى الأمريكى الشهير "سبق أن حاور الراحل إدوارد سعيد وطارق علي" يقول فى مقدمة كتاب "ضبط الرعاع" "مجموعة حوارات مطولة أجراها مع نعوم تشومسكي" أن "إسهام تشومسكى يكمن فى حقيقة أنه يؤكد باستمرار ليس فقط على الحاجة إلى أن نحصل على المعلومة، وأن نتصرف، ولكن أيضا على أننا قادرون على القيام بذلك، وتعليقاته، ومشاركاته، وقدرته على الاطلاع مثال على ذلك، إنه رسام خرائط".

أما المترجم اللبنانى سماح إدريس، فيشير فى تقديم فصل مترجم من كتاب:" المثلث الرهيب: الولايات المتحدة وإسرائيل وفلسطين" "ترجمه أيمن حنا حداد من نيويورك" أنه "علينا نحن الكتاب العرب أن نستفيد من "وصفة تشومسكي"، فانخراطنا فى مؤسسات السلطة "الثقافية" أو تقربنا من زعماء التسلط بحجة الترشيد أو التنبيه أو تجسير الهوة بين المثقف والأمير سياستان خاطئتان أو خادعتان للذات. ذلك أن "هنرى كسنجر العربي" أو "مدراء جنرال موتورز العرب" يعرفون معظم الحقائق بما فيه الكفاية، وواجب المثقف العربى هو التوجه إلى الجمهور الصحيح القادر على العمل من أجل التطوير أو الثورة لا إلى جمهور مساهم فى الارتداد أو القمع. وقد يستخدم حججنا "الثقافية" ضدنا من أجل قمع مشرعن ولآخرين.

ديمقراطية الأقوياء

حسب تشومسكي، الديمقراطية الرأسمالية عموما والأمريكية تحديدا هى نظام يقوم فيه الأغنياء والأقوياء وأصحاب الامتيازات باتخاذ قرارات تتفق ومصالحهم، وإن حاولت الغالبية العامة الضغط من أجل مصالحها فإن ذلك يكون قوة غير ناضجة ولا ديمقراطية وعلامات شؤم.

هذا عن التعريف الرأسمالي، أما التعريف العملى والرسمى "نقيض التعريف المعجمى الذى يركز على أن قيام الديمقراطية فى مجتمع ما يبقى رهينا بالمدى الذى توجد فيه للناس فرصة ذات معنى فيكون لهم دور فى تشكيل السياسة العامة، وهذا ما يسمى بالديمقراطية الشكلية"، فيقول بأن الديمقراطية المعاصرة تتبنى وجهة النظر القائلة أن دور الجمهور "الدخلاء الجهلة الفضوليون" ـ كما دعاهم يوما وولتر ليبمان ـ هو دور "المتفرجين" لا "المشاركين" الذين يظهرون كل سنتين للمصادقة على قرارات اتخذت فى مكان ما ليختاروا بين ممثلى القطاعات المهيمنة فيما يسمى بالانتخابات. إنها الذروة التوفيقية بين عقلنة مباشرة لديمقراطية رأسمالية وشرعنة غير مباشرة قصد التحكم فى ذلك الجمهور المتفرج، وفى أحسن الأحوال، جمهور يحسن التصفيق، وهذا يقودنا إلى ملف التحكم بالجمهور.

بالنسبة للتقنيات والأدوات المستخدمة فى السيطرة على المواطنين، فيمكن إيجازها فى بناء: الأعداء على الصعيدين الداخلى والخارجي، خلق العداوات والتعصب الديني، أو دع الناس مفتونين بشخص ما أو آخر، فذلك أيضا له أثره فى خلق مواقف تبعية".

شخص آخر يفعلها ويفترض فيك أنت أن تصفق لهم استحسانا. إنهم يفعلون شيئا ما لم تستطع أبدا لأن تحلم بفعله فى حياتك، لذلك هناك أدوات عدة ولكن ليست كثيرة. وبشكل عام فإنك تجد واحدة أو أخرى منها قيد الاستخدام، وهذا هو القائم فى هذا العلم العربى الكبير، مع كثرة نجوم الفن والرياضة والرقص وما إليه.

يوجه تشومسكى انتقادات لاذعة لوسائل الإعلام الأمريكية ولكونه أحد رواد وضع النقاط على الحروف فإنه لا يتردد فى التأكيد على أن الإذاعات الرسمية شبيهة بإدارات ذات أهداف معينة مرسومة ومقررة من قبل أولئك الذين يمتلكونها ويسيطرون عليها، إن أهدافها هى أن يكون لديها جمهور مطيع غير فعال من المتفرجين فى الميدان السياسى غير مشاركين، مجتمع من الناس هم مقسمون إلى ذرات ومعزولون، وبالتالى لا يستطيعون أن ينتظموا لوضع مواردهم المحدودة مع بعضها بحيث يصبحوا قوة. وهذا بالضبط هو ما تريده السلطة.

ومن خلال ذلك باستطاعتك أن تخمن تماما طبيعة النظام الذى سيظهر، وبالتالى طبيعة إعلام النظام إذاعات وأجهزة إخبار وتضليل فى آن، مكرسة لغسل دماغ المتتبع وجعله أكثر غباء وسلبية، بشهادة الهستريا الجماهيرية فيما يتعلق بمشاهدى الرياضة. إنه دور مهم. عبر جعل الناس أكثر خنوعا لأنك لا تقوم بها، أنت تراقب شخصا ما يقوم بها، ومن جهة ثانية، إنها تلعب دورا فى توليد مواقف متطرفة وشوفينية، تصل فى بعض الأحيان إلى مستوى متطرف تماما، والضحية ـ الحتمية ـ لهذه التلاعبات، الجمهور، عبر جعل الناس غير مطيعين وغير مشاركين غير مهتمين، يمكن السيطرة عليهم وضبطهم بسهولة وفى نفس الوقت جعلهم يشعرون أنهم يتحركون بطريقة ما نحو أشكال أعلى من المشاركة من خلال التخلى عن ميدان التنافس العام.

الدولة المعاصرة والدعاية السياسية

ولأن السياسة حسب تعريف آدم سميت مصممة لمصلحة مهندسيها الرئيسيين وتخدم لحقيقة العامة التافهة للسادة: الكل من أجلنا ولا شيء لأى شخص آخر، ولأن هذا الشخص الآخر يريد ما يدعى "لا واقعية سياسية" وحينما يترجم ذلك على الواقع فإنه يعنى أن المراكز الكبرى للسلطة والامتيازات معارضة لدعاوى الجماهير، فباستطاعة الناس أن تكون لهم آراؤهم، بل باستطاعتهم أن يصوتوا إذا كانوا يريدون، لكن السياسة تمضى فى طريقها البهيج الذى قررته قوى أخرى تحسن التحكم وخاصة ضبط "الجمهور". والمثير أن أغلب المواطنين، عموما، يمتلكون الكثير من الأوراق ـ كمفارقة صارخة أشار إليها ديفيد هيوم قبل قرنين من الزمان، مضيفا على أنها تجسد نوعا من تناقض الحكم فى مؤلفه عن النظرية السياسية ـ ليبقى السؤال الغائب فى هذا السجال: لماذا يستسلم المواطنون للحكام طالما أن القوة بأيدى المحكومين؟ وفى النهاية يستطيع الحكام والمديرون أن يحكموا فقط إن تمكنوا من السيطرة على الرأى العالم، هناك معركة متفاوتة بين أولئك الذين يرفضون قبول ذلك، وبين أولئك الذين يحاولون إجبارهم على تقبلها.

يقع المواطن فى العصر الحديث تحت الهيمنة الكاملة للإيديولوجية السائدة فى النظام السياسي. فالصفوة تسعى من خلال وسائل عديدة خصصا الدعاية السياسية أن تغير مواقف الأفراد والجماعات وتؤثر فيها على نحو تتوخى منه تحقيق أهداف الخط الفكرى السياسى الذى تتبناه هذه الصفوة. ثم إن كسب عطف المواطنين والتأثير فيهم والانتقاص من الخصوم، هو هدف الطبقة الحاكمة، وإن اختلفت النظم السياسية. وهنا تبرز أهمية الدعاية السياسية كأداة تغيير وتطوير وتأثير ضد المواطنين فى أيدى الدولة المعاصرة، بتعبير الباحث رفيق سكري.

ما يعنى تشومسكى بالدرجة الأولى، شأنه فى ذلك شأن أى مثقف غيره، أن يقول ما لديه ثم يتركه بذورا تحمله رياح تحمله رياح الأيام إلى مستقبل لا شك أنه قادم، لأن الحياة فعل متصل، فى الزمان إلى منتهاه، وذلك هو الأجدى والأبقى.

* الكتاب: السيطرة على الإعلام
* المؤلف: نعوم تشومسكي
* الناشر: منشورات فضالة. الرباط

 

تشومسكي في كتابه الجديدعن 11 سبتمبر:أمريكا الدولة الإرهابية الأولى في العالم

يمثل المفكر والعالم اللساني الأمريكي اليهودي ناعوم تشومسكي بسيجا فريدا من نوعه وسط حلقة المثقفين الامريكيين والغربيين عموما، بالتزامه الموضوعية والشمول في التحليل السياسي للقضايا العالمية،وانحيازه إلى جانب الدول والشعوب المستضعفة في آسياوإفريقيا وأمريكا اللاتينية وأمريكا الوسطى، وجهره بالحقائق الصارخة التي تقلق الكثيرين من المسؤولين الأمريكيين والغربيين.
ولا غرابة في أن يتعرض تشومسكي داخل الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها إلى حملات إعلامية منسقة كلما وضع كتابا جديدا أو كتب مقالا من تلك المقالات التي تصبح سجلا للمعطيات والأدلة الكاشفة للسياسة الأمريكية في العالم، حتى إن العديد من الصحف الامريكية تمتنع عن نشر مقالاته وشهاداته التي تغضب اليمين الأمريكي واللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، وتضرب صفحا عن التعريف بكتبه وإنجزاته الفكرية.
ويعتبر تشومسكي إلى ذلك نصيرا للقضية الفلسطينية، وقد كرس العديد من الدراسات والفصول في كتبه لفضح الوجه الحقيقي للإحتلال الإسرائيلي وتلاعب الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة المتعلقة بالقضية الفلسطينية، وتعرية التحالف الأمريكي-الإسرائيلي في منطقة الشرق الأوسط، والدعم الأمريكي السخي ،عسكريا وماليا وسياسيا في المحافل الدولية، لموقف وجرائم الإحتلال الإسرائيلي ،الأمر الذي عرضه لحملات اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، وجعل منظمة"بناي بريث" اليهودية تصفه ب"اليهودي المعادي للسامية".
"
ليس باسمنا"
بعدتفجيرات 11 سبتمبر 2001 في نيويورك وواشنطن ، وانهيار برج التجارة العالمي ، كان تشومسكي واحدا من المثقفين الأمريكيين القلائل الذين وقفوا في الصف المعارض للنزعة العسكرية الأمريكية الجديدية، ولم يساير جوقة المصفقين في أمريكا وأوروبا ممن وجدوها فرصة مناسبة للتحريض على العالم الإسلامي وإشعال شرارة المواجهة الحضارية بين الغرب والإسلام. وفي مواجهة ستين مثقفا أمريكيا وقعوا بيانا يبررون فيه الحرب الأمريكية في أفغانستان ،ويعتبرون تفجيرات 11 سبتمبر تعبيرا عن العداء"للقيم الأمريكية العليا"، وقع تشومسكي مع مثقفين آخرين بيانا مضادا بعنوان"ليس باسمنا"، أدان الإرهاب الأمريكي باسم"محاربة الإرهاب"، وتقسيم العالم إلى معسكر الخير ومعسكر الشر، وجاء في البيان:"إننا نجابه سياسة إمبريالية أمريكية جديدة ومفتوحة على العالم، ونجابه أيضا سياسة داخلية تصنع الخوف لتقليص الحقوق"، زاستنكر البيان تصريحات بوش التي قال فيها"إما معنا أو ضدنا"، ورد عليه:" إننا نرفض السماح لك أن تتكلم باسم كل الأمريكيين، وسوف لن نتخلى عن حقنا في المساءلة ، ولن نسلم ضمائرنا في مقابل وعد فارغ بالأمان لأنفسنا ،نقواها"ليس باسمنا"، إننا نرفض أن نكون طرفا في هذه الحروب ، ونستنكر أي تضمين يطلق تلك الحروب باسمنا أو لصالحنا، ونمد أيدينا إلى أولئك الذين يعانون من هذه السياسات، وسنبرز لهم تضامننا معهم بالقول والفعل".
أمريكا والكيل بمكيالين
في كتابه الجديد الذي صدرت ترجمته الفرنسية مؤخرا عن 11 سبتمبر(11/9) ، وجمع في تصريحاته ولقاءاته مع الصحافة الأمريكية والغربية ومقالاته التي نشرها بعد التفجيرات، يتوقف تشومسكي مطولا عند جذور الإرهاب الأمريكي العالمي، وأسباب ومظاهر كراهية شعوب العالم للولايات المتحدة الأمريكية بسبب سياساتها عدوانية التي لاتقيم وزنا للقوانين الدولية ولا لحقوق الإنسان او حق الشعوب في تقرير مصيرها، يحمل على الإدارات الأمريكية المتعاقبة التي نشرت الرعب في جميع بلدان العالم الثالث، متوقفا عند أمريكا اللاتينية باعتبارها المسرح الذي شهد أبشع الجرائم الأمريكية البشعة ضد الإنسانية منذ النصف الأول من القرن العشرين الماضي.
إن تشومسكي يبدو حاسما في لهجته وهو يسرد تفاصيل البشاعات الأمريكية ، دون أن "يمضغ كلماته" كما يقول الفرنسيون، بل يعلنها صريحة في وجه الولايات الماحدة بأنها قلعة الإرهاب العالمي والدولة الإرهابية الأولى في العالم بدون منازع، وأنها" تقف على رأس الدول الإرهابية"، ويضيف ردا على سؤال قائلا:"إن الولايات المتحدة الأمريكية تعتبر أكبر دولة إرهابية ، وليس ذلك بغير أدلة".
وكما فعل في كتبه السابقة:"تواريخ الإنشقاق"،"ماذا يريد العم سام؟"،"ردع الديموقراطية"،و"النزعة الإنسانية العسكرية الجديدة" وغيرها، يقوم تشومسكي هنا بتعداد قائمة الجرائم الأمريكية ضد الإنسانية في افريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وأمريكا الوسطى، ودورها في إحهاض طموحات الشعوب في التحرر والإستقلال والعيش في أمان، ومسؤوليات الإدارات الأمريكية في انتشار الفقر والجوع والتخلف في هذه البلدان.
ويقدم تشومسكي دليلا على الإرهاب الأمريكي ما قامت به إدارة رونالد ريغن عام 1985 ببيروت ، حين قام جهاز الإستخبارات المركزية الأمريكية بوضع قنبلة شبيهة بتلك التي تم استعمالها في تفجيرات أوكلاهوما سيتي، فياحنة مليئة بالمتفجرات أمام أحد المساجد ليمكنها قتل أكبر عدد ممكن من المصلين وهم يغادرون المسجد بعد الصلاة، وكانت النتيجة مقتل ثمانين شخصا وجرح مائتين آخرين ، ويضيف تشومسكي :"إننا لا ينبغي أن ننسى أن الولايات المتحدة دولة إرهابية من الدرجة الأولى".
ويكشف المفكر الأمريكي بأن الولايات المتحدة تعرضت للإدانة عام 1986 من قبل محكمة العدل الدولية بلاهاي بسبب"استعمالها غير المشروع للقوة، بمعنى آخر للإرهاب العالمي"، ضد بلد صغير في أمريكا اللاتينية هو نيكاراغوا ، لكن الولايات المتحدة رفضت الحكم الصادر عن المحكمة والقاضي بدفع تعويضات للضحايا الذين قدر عددهم بعشرات الآلاف من المواطنين النيكاراغويين، وأعلنت صراحة أنها لم تعد تعترف بسلطة هذه المحكمة ، في أول سابقة من نوعها في القانون الدولي الذي تدعيأمريكا أنها تدافع عنه في أفغانستان والعراق. كما استعملت حق الفيتو في مجلس الأمن للحيلولة دون صدور قرار تقدمت به نيكاراغوا يطالب جميع الدول باحترام القانون الدولي، وبعد ذلك تقدمت نيكاراغوا أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة التي أصدرت قرار مماثلا لقي معارضة ثلاث دول فقط هي الولايات المتحدة وإسرائيل والسلفادور، وفشلت جميع المساعي والمحاولات التي بذلتها نيكاراغوا لإنصافها في عالم تحكمه القوة.
لكن تشومسكي لا يكتفي بإيراد هذه الوقائع التاريخية للتدليل على الغطرسة الأمريكية وخرق البيت الأبيض للقانون الدولي ، بل يتساءل عن سر الصمت حول ذلك السجل في الصحف والجامعات الامريكية نةومؤامرة الصمت التي والكتمان التي تقوم بها النخب السياسية والثقافية الأمريكية.
إن الولايات المتحدة الامريكية ليست مسؤولة فقط عن سجل الجرائم الإنسانية وسفك الدماء في بلدان العالم الثالث، بل هي أيضا مسؤولة عما يقع في هذه البلدان من طرف حكوماتها التي تلقى الدعم والتأييد من واشنطن، فهي لا يهمها أن تعيش شعوب هذه البلدان في أمن واستقرار، بقدر ما أن همها يتركز في تنصيب أنظمة موالية لها تخدم مصالحها الإستراتيجية. ويكشف تشومسكي سياسة الكيل بمكيالين التي تنهجها واشنطن إزاء دول اعالم الثالث والأزمات الدولية،إذ حين يتعلق الأمربالمس بمصالحها فإن إدارة البيت الأبيض تحرك قواتها العسكرية وترفع ورقة الشرعية الدولية والقانون الدولي، وفيما عدا ذلك تركن للصمت والتواطؤ وتصم آذانها عن سماع صراخ الشعوب المضطهدة، لأان التمييز بين"الضحايا المهمين والضحايا غير المهمين" تمييز مألوف في السياسة الأمريكية.
نقد التفسيرات المبسطة
ينتقد تشومسكي تلك التفسيرات التي نشرت في الصحف الأمريكية ، والتصريحات التي أدلى بها مسؤولون أمريكيون حول احداث 11 سبتمبر ودوافعها، ويؤكد أن هذه التفسيرات "موجهة إيديولوجيا وسياسيا"من طرف السلطة القائمة ، ويعيد التذكير بافتتاحية صجيفة:نيويورك تايمز" الأمريكية المنشورة يوم16 سبتمبر2001، خمسة أيام بعد الأحداث، التي جاء فيها أن منفذي التفجيرات انطلقوا من شعور بالحقد والكراهية "اتجاه القيم السامية في الغرب مثل الحرية والتسامح".ويعقب قائلا ان الصحف الأمريكية تستغل جهل الرأي العام الأمريكي بحقائق الأوضاع العالمية لشحنه بمختلف الأفكار والتفسيرات المغلوطة والموجهة بعناية فائقة، وهكذا تدعي هذهخ الصحف مثلا، بالنسبة لتشومسكي، أن عروض إيهود باراك رئيس وزراء إسرائيل السابق في قمة كامب ديفيد عام 2000 مع الفلسطينيين في عهد الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون ، قد كانت"سخية" و " رحيمة"، وأن الفلسطينيين الذين رفضوا هذه المقترحات هم المسؤولون الحقيقيون عن فشل المفاوضات ،وبالتالي عن استمرار الحرب في المنطقة، لتبري العدوان الإسرائيلي.
وكما ينتقد الصحف الأمريكية والسياسيين، يوجه تشومسكي سلاح نقده ناحية النخبة النثقفة الامريكية التي وقفت "في صفوف مترتصة خلف وزارة الدفاع الأمريكية-البنتاغون"، وحرفت الحقيقة بالقول بأن الهجمات كانت تستهدف القيم الأمريكية ، وأنها كانت حربا حمجية ضد الحضارة، دون طرح الاسئلة الحقيقية، لأنه في" نظر النخبة المثقفة ،فإن طرح هذا النوع من الأسئلة هو بمثابة جريمة ، فهو يعني دعم أسامة بن لادن. المثقفون يفضلون الإقتناع بالقول:"إنهم يكرهوننا لأننا رائعون، لأان أحرار ، بينما هم ليسوا كذلك"، هذا اعتقاد أحمق وصبياني".
لقد صبت هذه التفسيرات ، في نظر تشومسكي، في مصلح حكومة شارون الإسرائيلية التي كانت المستفيد الأول من الأحداث ، إذ وجدت في شعار محاربة الإهاب الذي فعته إدارة جورج بوش ذريعة لمضاعفة قمعها للفلسطينيين "لقد ابتهجت إسرائيل بهذه الآفاق الجديدة التي فتحت لقمع الفلسطينيين دون أن تخشى من العقاب ، ففي الأيام القليلة التي تلت 11 سبتمبر، داهمت الدبابات الإسرائيلية لأول مرة المدن الفلسطينية كأريحا ورام الله وجنين".
ثمن الإرهاب الأمريكي
ينطلق تشومسكي في رؤيته لأحداث 11 سبتمبر وما بعدها من تحليل دقيق للسياسة الأمريكية في العالم، وهو يعتقد أن تلك الاحداث لم تكن معزولة عن السجل الأمريكي الحافل بالجرائم ضد الإنسانية ، قائلا:" لقد قامت الولايات المتحدة خلال الخمسين سنة الأخيرة باللجوء إلى العنف واستخدا م القوة العسكرية في جميع أنحاء العالم تقريبا ، ولكن هذه هي المرة الاولى التي توجه فيها البنادق إلى الإتجاه الآخر"،ملاحظا أن هجمات 11 سبتمبر "ليست سوى رد فعل على فظاعات لا تقل عنها حجما ترتكبها السياسة الخارجية الأمريكية"، بعد أن يستعرض من جديد هذه الفظاعات في كل من تيمور الشرقية وأمريكا الوسطى وفيتنام ، والدعم الأمريكي غير المشروط لإسرائيل، يقول:"لا يمكن أن ندعي أن الولايات المتحدة الامريكية ضحية بريئة إلا إذا تغاضينا عن قائمة أعمالها وأعمال حلفائها "، مختتما كتابه الهام بهذه الإشارات القوية ، كنصيحة إلى المسؤوبين الامريكيين والرأي العام الامريكي:"إذا أردتم تجنب فظاعات جديدة من هذا النوع، فعليكم أن تنصتوا لقضاياهم،أعتقد أن معظم الناس خارج النخبة المثقفة يفهمون هذا جيدا".