حروب الهنود الحمر
سبب دعم امريكا
لإسرائيل سيصبح واضح بسهولة بعد قرائة هذا المقال
حروب الهنود الحمر
نزاعات عنيفة حدثت بسبب الصراع بين الهنود (الذين عرفوا باسم الهنود الحمر) والمستوطنين
البيض على
الأراضي الغنية
الجديدة التي أصبحت فيما بعد الولايات المتحدة الأمريكية.
أسس المستوطنون الإنجليز مستعمراتهم الصغيرة على امتداد الساحل
الأطلسي في مستهل القرن السابع عشر الميلادي. ونشأ الصراع عندما بدأوا ينتقلون نحو الأراضي الهندية بأعداد كانت تتزايد باستمرار، وقد أدى هذا النزاع إلى مقتل
الكثيرين من الجانبين.
كان السبب الرئيسي
للمعارك بين البيض والهنود الاختلاف في أسلوب المعيشة للمجموعتين؛ إذ كان الهنود يزرعون الذرة والخضراوات، ويعتمدون
على صيد
الحيوانات لتأمين
الجانب الأكبر من طعامهم ولباسهم. أما المستوطنون فقد
كانوا
يعيشون على الزراعة،
وقد قاموا في الشرق بقطع الغابات لتوفير الأراضي الزراعية. وبعد أن دمروا الغابات وما تحتها لم يعد في وسع
الحيوانات البحرية أن تعيش في المنطقة. وقتل الصيادون البيض في الغرب ألوف الجواميس
البرية لمجرد الحصول على جلودها، فكان على الهنود أن يختاروا بين الهجرة إلى أراضٍ جديدة
تحتلها قبائل هندية أخرى معادية أو أن يحاربوا من أجل المحافظة على أراضيهم. وقد أدركوا
أن البيض
يهددون حياتهم وأمنهم عندما وجدوهم يتنافسون للحصول على الأراضي. وكان
اللوم يقع
على الطرفين؛ إذ
أنكر البيض حقوق الهنود وكانوا يرون أنهم قوم متوحشون. وبالمقابل، فإن الهنود لم يكونوا يتفهمون طريقة المستعمرين في
تنظيم بعض الأمور؛ فمثلاً، عندما كان الهنود يوقعون على صك لبيع أراضيهم فإنهم كانوا يعتقدون بأنهم
يؤجرون تلك الأراضي ولا يبيعونها، لذلك كانوا يعودون إليها لأجل الصيد ولايعترفون ببيعها لمجرد أن زعيمهم وضع بعض الخطوط على قطعة من الورق.
كان الهنود أناسًا
محاربين
انشغلوا بالحروب فيما بينهم قرونًا طويلة، وكانوا يُقدِّرون الرجل المحارب ويحترمونه. فلما جاء البيض دخلوا معهم في حالة حرب لأجل البقاء.
وفد الأوروبيون بأعداد غفيرة، ومعهم عائلاتهم، وسرعان ما فاقوا الهنود
عددًا، واغتصبوا أراضيهم، ودفعوهم غربًا. فلما جاء الأوروبيون إلى ما يعرف الآن
بالولايات المتحدة كان بها نحو مليون هندي، ولكن الأمراض،
والخمور القوية وما يقارب 300 عام من الحروب المستمرة قلّصت ذلك العدد إلى نحو 237,000
في عام 1900م.
وتقول عالمة الإنسانيات مرجريت هدجن
إن أول كتاب إنجليزي عن الهنود نشر في عام 1511 'وصفهم بالوحوش التي لا تعقل ولا تفكر وتأكل بعضها، بل إنهم كانوا يأكلون
أبناءهم
وزوجاتهم'. وكان
عامة الانجليز يؤمنون بوجود كائنات نصفها بشر ونصفها وحش. وكالعادة فقد سكنت هذه الكائنات معظم الأعمال الفلسفية
الانجليزية والاوروبية في تلك الفترة وشاعت في الأعمال الأدبية. وكان اليسوعي جوزيف
فرانسوا لافيتو في كتابه عن عادات الهنود الامريكيين قد تحدث عن وجود 'كائن
هندي بدون رأس، لكن له وجها في صدره'.
وقد أطلق عليه اسما
أسطوريا Acephal. لهذا لم يكن مستغربا إيمان عامة الانجليز في تلك الفترة بأن لكثير من هنود أمريكا أظلافا وأشكالا
شيطانية. وهي أشكال نعثر عليها في كتابات معظم أنبياء الاستعمار الأوائل الذين
اختلط عليهم شكل الكنعاني التاريخي الملعون بشكل الوحش الهندي المنحط في صورة أوفيدية ليس لها وجود إلا في مخيلاتهم. وكان أوليفر هولمز وهو من أشهر أطباء
عصره قد لاحظ في عام 1855 أن إبادة الهنود هو الحل الضروري للحيلولة دون تلوث العرق الأبيض، وأن اصطيادهم
اصطياد
الوحوش في الغابات
مهمة أخلاقية لازمة لكي يبقي الانسان فعلا علي صورة
الله.
هكذا بدأت دعوات
الإبادة الشاملة تعلو عندما لم يكن في كل الشمال الأمريكي سوي ألفي إنجليزي.
ثم ازدادت هذه الدعوة حدة وجنونا حين تأكد الإنجليز أن الهنود قد يرحبون بهم ضيوفا ويكرمونهم
بما يكفيهم من الأرض والرزق. ويعيشون معهم بسلام لكنهم لن
يتنازلوا طوعا عن أراضيهم، ولن يتقبلوا فكرة السخرة والاستعباد. وكانت كل بادرة لمقاومة هذا الجشع والتعصب
المقدس برهانا إضافيا علي صدق أسطورة أمريكا وعلي صدق الدعوي بأن الهنود متوحشون
عدوانيون لا تنفع معهم إلا الإبادة. إن التسامح مع الشر ليس إلا تشجيعا للشرير، وليس
هناك خطيئة أعظم من هذا.
ومع تقدم الزمن صارت
شيطانية الهندي الأحمر بديهية لا تحتاج إلي دليل مثلما أن انجليزية الله وتفوق شعبه من البديهيات التي لا تحتاج
إلي دليل. لقد سكنت شيطانية الهنود أحلام الملائكة حتي
إن المرأة ميرسي شورت التي
زعمت أن الشيطان تلبسها وصفته علي شكل هندي له أظلاف شيطانية. إن هذا الشيطان الهندي
هو الكابوس الذي يقض مضجع الزنابير.
قبل مذبحة 'ووندد ني' الشهيرة بأيام كتب فرانك باوم في صحيفة The Aberdeem Saturdy pionee ولم تكن عبقريته القصصية قد
تفتحت بعد، يدعو إلي الإبادة الشاملة لمن تبقي من الهنود. 'إن أصحاب البشرة
الحمراء قد أبيدوا، ولم يبق منهم إلا مجموعة صغيرة من الكلاب الهجينة التي تعض اليد التي تطعمها ولا تتوقف عن النباح. أما البيض فإنهم بحكم الغلبة وبقضاء الحضارة أسياد
القارة
الأمريكية، وإن أفضل
أمن لمستوطنات الثغور يجب أن يتحقق بالإبادة الكاملة لهذه البقية الباقية من الهنود.. إن موت هؤلاء الأشقياء خير لهم من الحياة'.
وكانت هذه البارانويا العنصرية هي التعبير الصادق عن مزاج الزنابير في نهاية القرن التاسع عشر.
فبعد أيام قليلة ارتكبوا مذبحة 'ووندد
ني' التي قتل فيها المئات من رجال لاكوتا ونسائهم
وأطفالهم
بالقصف العنيف. أما
الناجون فقد تعقبوهم وقتلوهم واحدا فواحدا لا لشيء سوي أن بشرتهم حمراء ودمهم هندي وأرضهم كنعانية طيبة. وكتب شاهد عيان، وهو
طبيب أديب نصف هندي يدعي شارل ايستمن : 'علي بعد ثلاثة
أميال من مكان المذبحة وجدنا جثة امرأة مدفونة تحت الثلج.
وانطلاقا من تلك
النقطة
تناثرت الجثث علي
طول الطريق وكأنها طوردت واصطيدت وذبحت بعزم وتصميم فيما كانت تحاول أن تنجو بأرواحها. بعض من معنا اكتشف بعض
أهله أو أصدقائه بين القتلي، وكان هناك ندب ونواح يملأ الأرض. وحين وصلنا إلي
حيث كان المخيم الهندي وجدنا بين بقايا الخيام والأمتعة المحترقة جثثا متجمدة تتلاصق هنا في صفوف أو تتراكم
هناك فوق بعضها في أكوام.. ولم أستطع أن أحتفظ برباطة جأشي بسهولة أمام هذا المشهد
الذي أتلف كل أعصابي وأمام ذلك الحزن العميق الذي طغي علي كل من معي من الرفاق بين
من يجهش في بكائه أو يتلو نشيد موته' .
ويضيف جيمس موني: 'تحت ركام الثلج، كان هناك نساء علي قيد الحياة، لكنهم تركوهن للموت البطيء، وكذلك حال الأطفال
الرضع المقمطين والمرميين إلي جانب أمهاتهم.. كانت جثث النساء متناثرة فوق محيط
القرية. وتحت علم الهدنة كانت هناك امرأة صريعة ومعها طفلها. لم
يكن الطفل يعرف أن أمه ميتة، ولهذا فقد كان يرضع من ثديها. وبعد أن قتل معظم من في القرية أعلن الجنود
أنهم يضمنون سلامة الجرحي أو كل من بقي علي قيد الحياة
إذا ظهروا. وخرج بعض الأطفال من مخابئهم، لكن الجنود أحاطوا بهم وذبحوهم. لقد كان واضحا أن تعمد قتل الأطفال والنساء هو لجعل مستقبل الهنود مستحيلا'.
في اليوم الرابع
للمذبحة كتب باوم مزهوا بنشوة الانتصار: 'لقد فعلنا حسنا. ويجب علينا أن
نتابع المسيرة لحماية حضارتنا.. إن علينا أن نقطع دابر هذه المخلوقات الوحشية ونمحو ذكرها من علي وجه الأرض'.
إن مقتل مائة هندي
أو حرق قرية هندية كاملة بمن فيها قد تحيله هوليوود إلي مناسبة للضحك والتسلية فيما هي تنسج
من تلويح الهندي بيده في وجه الرجل الأبيض دراما مخيفة تجعلها عنوانا للعنف والوحشية
التي تؤهله للموت. 'وصورة الضحية علي الغالب فتاة جميلة شقراء مذعورة لا تختلف
عن تلك التي يخطفها كنج كونج، وإن كانت هوليوود تضفي
علي كنج كونج بعض المشاعر الإنسانية التي تضن بها علي الهندي'. إنهم
قبل أن يسلبوا الهنود جهودهم في الحضارة الإنسانية ويعروهم من إنسانيتهم أسقطوا عليهم أشنع فظاعاتهم كالعنف وسلخ فروة الرأس
والتمثيل
بالجثث وغير ذلك مما
يعتبر لازما لاعتبار إبادة 112 مليون إنسان من 'الأضرار الهامشية' التي تواكب انتشار الحضارة.
كل شهادات المستعمرين الأوائل كانت تسخر من مفهوم الحرب عند الهنود
لافتقارها إلي عنصرين أساسيين في الثقافة الحربية الكلاسيكية: القتل، والتوسع في
الأرض، ولأنها أشبه بمهرجانات لاستعراض الشجاعة والبطولة والمهارات وليس لاستعراض
الجثث. أول ما لاحظه المستعمرون أن حروب الهنود 'كانت للتسلية والرياضة البدنية
وليست لاخضاع الخصم. فقد يتحاربون سبع سنين دون أن يسقط
بينهم سبعة قتلي. إنهم يقاتلون في السهول بالقفز والرقص، وعندما يجرح واحد منهم يتوقف
الطرفان عن القتال وينكب المقاتلون جميعا علي إسعاف الجريح'. ولاشك في أن هذه الثقافة الحربية المختلفة
التي لا تؤمن بالعنف المنظم كانت مقتلا من مقاتل الطالبيين
الهنود وحجر زاوية في حرب الإبادة التي تنتمي إلي ثقافة وأخلاق مختلفتين تماما. عندما أعلن كورتيس للهنود أنه جاء إليهم في مهمة سلمية صدقوه ورحبوا بهذا الغازي الدموي وفتحوا له
دورهم وقصورهم ومناجم ذهبهم. فمن قواعد الحرب بين الهنود
أن إعلان السلام لا يعني شيئا غير السلام. ومن هذا المنطق اطمأن الهنود إلي أن كورتيس
جاء فعلا في مهمة سلام. إنهم لم يستطيعوا أن يفهموا لماذا يعلن الأوروبي شيئا ولا يتقيد به، ولماذا يقول قولا ولا يفعله، ولماذا يوقع اتفاقية ثم يخرقها في أقرب فرصة ممكنة. ولعل هذا
ما تعبر عنه هذه الكلمة البريئة التي ألقاها أحد هنود لونابه
أمام أحد المستعمرين الانجليز : 'إننا نريد أن نعيش معكم بسلام كما عشنا مع غيركم من الشعوب. لو أننا فكرنا في أن نحاربكم يوما فإننا سنعلمكم بذلك سلفا، وسنبين لكم الأسباب التي نريد
أن نحاربكم من أجلها. فإذا أبديتم ما يقنعنا أو يعوضنا عن
الأضرار التي سنحاربكم من أجلها فإننا لن نحاربكم.
وإذا أردتم أن تحاربونا يوما فنرجو أن تعلمونا بذلك وتبينوا لنا الأسباب، فإذا لم نقنعكم أو نعوضكم عن الأضرار
التي ستحاربون من أجلها فلكم الحق في محاربتنا.. وإلا فليس لكم أن تحاربونا' .
لم يستطع الهندي أن
يفهم دوافع الحرب التي يشنها الاوروبي والعنف المميت الذي يمارسه والفظاعات
التي تواكب حروبه. لم يستطع أن يفك ألغاز تقديسه للملكية وهوسه باغتصابها من الآخرين. إن نظام قيمه
لا يعني بالتراكم المادي ولا تستهويه 'ثروة الأمم' التي ألهبت خيال الإنجليزي
وبندقيته، وجعلت الملكية في عيني مارتن لوثر معيارا للتفريق بين الإنسان والحيوان! هلا رأي نبي وول ستريت بأي ماء تسيج الضباع أطيانها؟ الحرب الهندية علي ندرتها لا
تعلن إلا بسبب إهانة شخصية أو حوادث فردية. ولطالما أمكن تفاديها بالتعويض أو
الاعتذار أو الدية. أبدا لم يزعم الهنود احتكار الحقيقة المطلقة، هذا الوباء المقدس الذي ألهب طقس
العنف في أتباع كل الديانات التوحيدية.
أبدا لم يعرف تاريخ
الهنود سماء مركنتلية تتاجر بالعبيد وتعد هذا بأرض ذاك. أبدا لم يكن الغزو أو الاجتياح
أو الاحتلال من أخلاقهم. 'كل هذا غريب عن ثقافتهم'
في دراسة ميدانية
لهنود السهول الذين صورتهم هوليوود مثلا أعلي للعنف والعدوان يقول الانثروبولوجي
جورج غرينل: 'بين هنود السهول الذين أعرفهم جيدا يعتبر لمس العدو من أشنع أنواع التعبير عن
العدوانية، أن تقوم بضرب العدو دون أن تؤذيه عمل من أعمال الفروسية. إن من مظاهر الشجاعة
وتقاليدها أن يمضي الرجل إلي الحرب وليس في يده سلاح يؤذي عدوه من بعيد، فحمل
الرمح أكثر شجاعة وفروسية من حمل السهام، وحمل البلطة القصيرة أولي من حمل الرمح.
أما أعظم مظاهر الشجاعة فأن تسعي إلي الهيجا
بدون سلاح'. ويروي ستانلي دايموند في دراسته المقارنة عن 'البدائية والحضارة' أن قتل الانسان عند الهنود كان حدثا تاريخيا، وأن حروبهم كانت تشبه الأعمال المسرحية. ومهما كانت
طبيعة هذا الحدث التاريخي الذي يستوجب قتل الإنسان فإنه كان يخضع لطقس مشخصن
شديد التعقيد. لقد كانوا يقدسون حياة النساء والأطفال ويعتبرون الاعتداء عليها
وصمة عار في جبين المحارب. وهذا ما جعل حرب الإبادة الانجليزية نزهة في رياض الطبيعة الهندية المسالمة'.
خلال عودة القديسين من حملة إبادة هنود الناراجنستس
في عام 1637 بقيادة الكابتن جون انديكوت كانوا في أوج النشوة فأرادوا التحرش بهنود البيكو والتسلي بقتلهم. ويروي شاهد عيان أن البيكو 'عندما رأونا علي شواطئهم،
أسرعوا للترحيب بنا، وهم يهتفون: أهلا بالانجليز، أهلا بالانجليز، ولم يكن يخطر ببالهم ما نعده لهم. وعمٌ
الترحيب
والتهليل ومظاهر
الفرح بوجودنا في كل مكان حتي وصلنا إلي نهر بكويت
وهناك مع سقوط أول قتلاهم. أدرك الهنود باستغراب شديد سبب
وجودنا فهجروا قراهم وفروٌا إلي الغابات القريبة. ونزل الاحباط بالجنود فراحوا
يحرقون القري والحقول ويتلفون المحاصيل' . وما أن عاد الجنود إلي
مستعمرتهم حتي ظهر الهنود من مخابئهم ونظموا أنفسهم
وهاجموا
حصن سايبروك فاقتحموه، ولكن دون أن يقتلوا أو يجرحوا أحدا. وظنوا
أن هذه 'البطولة الاستعراضية' كافية لاسترداد كرامتهم، ولإقناع
المستعمرين بالتعايش السلمي. وبكل ما أعطاهم الله من براءة سأل هنود البيكو
قائد الحصن ليون غاردينر عن إمكانية هذا التعايش السلمي، فأجابهم: 'قد دمرتم بعدوانكم هذا
كل إمكانية للسلام بيننا'.
وسأله الهنود أيضا
ما إذا كان الانجليز سيقتلون الأطفال والنساء، فأجابهم 'ستعرفون ذلك في حينه'.
بعد أيام قليلة قاد الكابتن
جون مايسون قبيل الفجر جيشا من الميليشيا قسمه إلي فرقتين تولي قيادة احداها
بينما تولي جون أندرهيل الفرقة الثانية. وتحت جنح الظلام هاجموا الهنود النائمين من جبهتين. وكان
ذلك
بتعبير جون مايسون 'آخر نوم لهم..' ويصف مايسون
تلك الليلة بقوله: 'لقد أنزل الرب في قلوب الهنود رعبا شديدا، فحاولوا أن يطيرونا بين أسلحتنا ويقفزوا
في اللهب الذي التهم كثيرا منهم. كان الرب يضحك من أعدائه وأعداء شعبه المختار.. يضحك
حتي الاستهزاء والاحتقار، ويجعل منهم وقودا لهذا الفرن الذي تحولت إليه
قريتهم. هكذا ينتقم الله منهم ويملأ الأرض بجثثهم.. ليعطينا أرضهم'. كان الجنود
يقتلون الجرحي من الرجال والنساء والأطفال ويشعلون النار في البيوت ويحرقون الهنود في
أكواخهم أحياء أو موتي،. وكأنهم في حفلة شواء 'باربكيو' بتعبير
كوتون ماذر أحد أقدس أنبياء الاستعمار الانجليزي للعالم الجديد.
استمرت حفلات الباربكيو طويلا قبل أن يتعلم الهنود أن البراءة مع شعب الله الانجليزي انتحار، وأن الدفاع
عن أنفسهم يحتاج إلي معرفة طبيعة الحرب لدي أعدائهم وإلي عدم قياس نظام قيم وأخلاق
الانجليز إلي نظام قيمهم وأخلاقهم. فالانجليزي لا يحب التمثيل المسرحي في ساحة
القتال، وإذا أراد أن يرقص فإنه ينتظر حتي ينقشع غبار
المعركة ليرقص علي أشلاء خصمه. لقد مضي وقت طويل قبل أن يتعلم الهنود كما يقول جننجز في 'اجتياح
امريكا' 'أن وعد الانجليزي مهما كان صادقا مضمونا سوف يخلفه بمجرد أن يتعارض مع مصلحته
التي لا تعرف حدودا، وأن أسلوب الحرب الانجليزية لا تعرف معني للرحمة أو للشرف أو للمواثيق أو
للتردد.. ولقد حفظ الهنود ذلك الدرس غيبا، ولكن حين لا تنفع الدروس والعبر'.
تعرضت الثقافة
الهندية المسالمة لحملة تشويه لازمت حرب الإبادة وكانت سلاحا من أسلحتها. لم يكتف التاريخ المنتصر بأن علي غزواته واجتياحاته وحملاته العسكرية اسم 'حروب الهنود' بل إنه أسقط كل عنفه وفظاعاته الدموية علي الهنود بدءا من سلخ فروة الرأس وانتهاء
بالتمثيل بالجثث.
'ارتكب الانجليز جريمة سلخ فروة الرأس
في معظم حروبهم' . وعلي نقيض ما تروج له هوليوود
والرسميون
والاعلاميون واكاديميو التاريخ المنتصر 'فإن الرجل
الأبيض هو الذي خلق عادة السلخ' 'في العالم الجديد'. وإن أكثر جرائمها من صنع يديه' .
وكانت عادة سلخ فروة الرأس متبعة أيام الحروب الانجليزية الايرلندية، ففي أواخر القرن
السادس عشر لجأ القائد الانجليزي همفري جلبرت إلي قطع الرؤوس وسلخ فروتها لإثارة الذعر في نفوس الايرلنديين وقمع انتفاضتهم '1567 * 1570' في فظاعات أقلها زرع جانبي الطريق إلي مقر زعيم الانتفاضة بالرؤوس المقطوعة. وقبل
أن يتوجه إلي العالم الجديد. يحاول ملكا، خلع عليه البلاط لقب 'فارس' اعترافا ببلائه في نشر الحضارة. ومع
أنه عاد
خائبا ولم يفلح في
تأسيس مستعمرته فإن مسيرته ظلت تتابع نشاطها وتمضي علي خطاه إلي يومنا هذا، حتي إن
الجنرال الفرد سولي أعاد هذا المشهد بكل تفاصيله بعد حوالي ثلاثة قرون عندما أمر بنصب الرؤوس المقطوعة لهنود اللاكوتا علي عصي، كل رأس علي عصا، وزرعها علي جانبي الطريق المؤدية إلي مقره العام للاستئناس وفرض
الهيبة.
ولقطف الرؤوس وظائف
أخري غير الزينة أو فرض الهيبة كما كان الحال في ايرلندا والمستعمرات الامريكية الاولي. لقد استخدمت في البداية * بدلا من آلات الحساب الخرزية * للتأكد
من عدد القتلي، ثم سرعان ما اكتشفت أخلاق السوق فيها
وسيلة
للرزق فاعتمدتها
وطورتها وجعلت منها صناعة مستقلة. ويقول جننجز في 'اجتياح
أمريكا' إن السلطات الاستعمارية رصدت
مكافأة لمن يقتل هنديا ويأتي برأسه، ثم اكتفت بسلخ فروة الرأس إلا في بعض المناسبات التي تريد فيها
التأكد من هوية الضحية. ولعل أقدم مكافأة انجليزية علي 'فروة الرأس'، بدلا
من كامل الجمجمة تعود إلي عام .1694 في 12 أيلول/سبتمبر من ذلك العام رصدت المحكمة العامة في مستعمرة ماساشوستس مكافآت مختلفة لكل من يأتي بفروة رأس هندي مهما كان عمره
أو جنسه. وتختلف هذه المكافآت بحسب مقام الصياد: خمسون جنيها للمستوطن العادي، وعشرون جنيها لرجل الميليشيا،
وعشرة جنيهات للجندي. ولم تمض عشرون سنة حتي رصدت كل
المستعمرات الانجليزية جوائز مماثلة. ثم تغيرت 'التعرفة' في عام 1704 فأصبحت مائة
جنيه لكل فروة رأس. ومن المفارقات أن المكافأة المتواضعة التي رصدت لفروة
رأس الفرنسي في عام 1696، وهي ستة جنيهات فقط، لم تتغير في التعرفة الجديدة، بل ظلت في
أسفل القائمة، وظل الفرنسي الأبيض * برغم عداوته الدموية للانجليزي * آخر المطلوبين.
كانت مكافأة المائة
جنيه تعادل أربعة أضعاف متوسط الدخل السنوي للمزارع في مستعمرات نيوانجلند. وكان بامكان أي مستوطن عجوز أن يصطاد طفلين وثلاث نساء هنديات سنويا ويتنعم بما لم يتنعم به جلالة الملك جيمس. هذا ما جعل صيد الرؤوس الهندية وسلخها أسرع طريقة لبناء الثروة، وسرعان
ما وجدت 'ثروة الأمم' المعادلة الاقتصادية المناسبة لاستثمار بونانزا الارواح تجاريا. لقد اكتشف شعب الله نفطه في عروق الهنود.
في فالموت، أو ما
يعرف اليوم ببورتلاند أسس توماس سميث إحدي هذه الشركات التي تستأجر فرقة من المغامرين لقتل
الهنود والعودة برؤوسهم أو فرواتها. كان سميث يزود الفرقة بالمعدات والذخائر ويتقاضي ثلث
المكافأة. وتقول صفحة من يومياته إن حصته من مكافآت ذلك اليوم الكاسد '18 حزيران/ يونيو 1757'
بلغت 165
جنيها. كان الصيادون
يتعهدون قري معينة، يمشطونها قرية قرية ولا يبقون فيها فروة واحدة. حتي ان القري المكسيكية وراء الحدود صارت هدفا للصيادين.
ولأن فروة رأس الهندي 'الحليف' لا تختلف عن فروة
الهندي العدو، ولأن صيدها أسهل ، ولأن أخلاق السوق لا تعنيها هذه التفاصيل التافهة فقد ركزت هذه التجارة جهودها
علي صيد رؤوس الحلفاء، ولاسيما منهم اولئك الذين تطهرت
أرواحهم واستعاروا لأنفسهم أسماء القديسين. ويروي أكستل في بحثه عن 'السلخ'
أن فرقة من أربعة رجال من مستوطني نيوجرسي زعموا انهم يصطادون هنود
فيلادلفيا، لكنه في ليلة 12 نيسان/ أبريل 1756 تبين أن كل ضحاياهم كانوا من هنود المنطقة الذين أنقذ المستعمرون
أرواحهم
واستخدموهم في أعمال
السخرة. في منتصف تلك الليلة اقتحم المستوطنون بيت عائلة هندية آمنت فأمنت ونامت قريرة العين. أما الرجل 'جورج' فتمكن
من الهرب، لكن الزوجة
'كاثرين' تلقت بضع طلقات في صدرها ثم قطعت رأسها بالفأس. الطفلة ذات الأحد
عشر
ربيعا تهشم رأسها
بالبلطة وتلقت عدة طعنات في كتفها، وأما رأس الطفل الذي لم يبلغ السنة فما كان علي الله الانجليزي بعسير . ويروي
بيتر شمالز في كتابه عن هنود أوجيبوا كيف أن الإخوة في الإيمان لم تكن أفضل من
التحالف، وكيف إن الذين طلبوا خلاص أرواحهم في الآخرة وطمعوا في خلاص أجسادهم في الدنيا صاروا
فريسة سهلة. ففي إحدي قري دولاوير حاصرت كتيبة مسلحة بقيادة
دافيد وليامس أفرادا من الهنود المورافيين. وتمضي الشهادة فتقول إن الجنود طمأنوهم إلي أنهم
جاءوا لمرافقتهم إلي حيث يصلون ويجدون طعامهم بأمان. وقالوا لهم إن هذه
المهمة النبيلة لا تحتاج إلي حمل السلاح. ووافق الهنود مطمئنين إلي اخوة
الإيمان. ثم إنهم أسرعوا إلي إحضار من تبقي من أهلهم وذويهم في البيوت حتي لا تفوتهم
بركات الصلاة. ولم يكن لدي الهنود وقت ليكتشفوا الخدعة فقد عاجلهم الجنود بالقتل وحصدوا في تلك المذبحة
رؤوس 29 رجلا و 27 امرأة و 34 طفلا..
ثم ازدهرت هذه
التجارة مع الحرب الانجليزية الفرنسية في العالم الجديد، ومع تهافت الطرفين علي
شراء 'الحلفاء' وتنافسهما علي دفع مكافآت
مرتفعة لقاء فروات رؤوس أعدائهم. وفيما كانت الشركات التجارية الانجليزية والفرنسية توجه نشاطها الاكبر لصيد رؤوس الهنود 'الحلفاء' قبل الأعداء كانت الوعود السياسية والاقتصادية التي أمطرها البيض علي
الهنود قد أوقعت بعضهم في الفخ. لم يتصور الهنود الذين
أغرتهم الأطماع والوعود وقصر النظر أنهم سيموتون بنفس الطريقة عندما يدرك البيض غايتهم منهم. لقد أغروهم
بارتكاب هذه الفظاعات التي كانوا فيها أكبر الخاسرين.
فخلال حرب السنوات
الست '1754 *
1760' كان الانجليز
والفرنسيون هم الذين يديرون هذا المسلخ الذي لم يذبح
فيه إلا
الخراف.
واضطر الانجليز إلي
رفع مكافأة السلخ في السنة الثالثة للحرب بعد أن الحق الفرنسيون هزيمة ساحقة بالجنرال الانجليزي إدوارد برادوك
وبحلفائه من الهنود. هكذا استغني كثير من المستوطنين عن
البحث عن الذهب ليلتحقوا بركب 'العامل الطبيعي'، وصاروا يتنافسون فيما بينهم ويتباهون بسرعة الصيد وكثرة
الغنائم. ويروي المغامر لويس وتز أن غنيمته من فروات رؤوس الهنود كانت لا تقل عن أربعين فروة
في الطلعة الواحدة. ويعتبر 'وتزل' هو ابن مستوطنين مغامرين، من أبطال التاريخ الأمريكي وما يعرف بعمالقة الثغور. جرح صغيرا عندما كان
أبواه يحاولان الاستيلاء علي أراض هندية بالقوة. في الرابعة عشرة دشن أول ضحاياه ونذر نفسه لقتل الهنود.
لهذا لم يتزوج ولم يضع لحظة من حياته في عمل آخر. من بطولاته قتل زعيمين
هنديين فيما كانا يجريان مفاوضات السلام مع المستعمرين، الأول زعيم الدولاوير عام 1871، والثاني زعيم السينيكا عام 1، وبدءا من 'وتزل' صار قطع رأس الهندي وسلخ فروة رأسه من الرياضات الانجليزية المحببة، بل كان الكثير منهم يتباهي
بأن ملابس صيده وأحذيته مصنوعة من جلود الهنود. ثم تغير الحال بعد عقد من الزمان عندما بدأ الانجليز
الملكيون
والانجليز الثوار
يسلخون رؤوس بعضهم فيما يدعي كل منهم وصلا بالعناية الإلهية وينسب إليها جرائمه وفظائعه. وبالطبع فقد تنازع الطرفان علي صفة الاختيار والتفضيل وتمثيل 'شعب الله'. لكنهم جميعا
ظلوا مخلصين لتقليد السلخ والتمثيل بالجثث طوال فترة ما يسمي بحرب الاستقلال. كانوا ينظمون لذلك حفلات خاصة ويدعون إليها
علية القوم للتفرج والاستمتاع الشهواني بهذه المشاهد المثيرة حتي
إن الكولونيل جورج روجرز كلارك في حفلة اقامها لسلخ 16 من الاسري الأحياء أثناء حصاره الاحتفالي لفانسين
طلب من
الجزارين أن يتمهلوا
في الأداء، وأن يعطوا كل تفصيل حقه لتستمتع الحامية كلها بالمشاهد. وقد وصف الكولونيل هنري هاملتون في يومياته بهجة الحضور
بأنهم خرجوا يختالون بنشوة انتصارهم ورائحة دم الضحايا تعبق منهم . ومايزال كلارك إلي الآن رمزا وطنيا أمريكيا وبطلا تاريخيا، و'مايزال من
ملهمي القوات الخاصة في الجيش الأمريكي'.
وفي كولورادو تولت الشركات الخاصة، بتعاقد ضمني مع الدولة، مهمة الذبح والسلخ والقضاء علي الوجود الهندي. أما
في كاليفورنيا فقد تأخرت حفلات السلخ قليلا لكنها سرعان ما اتبعت خطوات الولايات الاخري، ففي حادثة واحدة 'أيار/ مايو 1852' اشترك فيها 'شريف' ويفرفيل هوجم 148 هنديا من الرعاة فأصبحوا أثرا بعد عين. والغريب أن قطع الرؤوس صار
خبرا عاديا في الصحافة البيضاء التي لم تعد تجد حرجا في الحديث عن أن هدف هذه المجازر هو 'الإبادة' وأن
القتلة
الذين ارتكبوا هذه
البطولات تلقوا مكافآت من الحكومة بعد أن أبرزوا فروات
رؤوس
ضحاياهم .
مع تأسيس الجيش الامريكي أصبح السلخ والتمثيل بالجثث تقليدا مؤسساتيا رسميا. فعند استعراض الجنود أمام وليم
هاريسون 'الرئيس الامريكي لاحقا' بعد انتصار 1811 علي الهنود تم التمثيل ببعض الضحايا، ثم جاء دور
الزعيم تيكومسه . وهنا تهافت صيادو التذكارات علي انتهاب ما
يستطيعون من جلد الزعيم التاريخي أو فروة رأسه. ويروي جون سعدن في كتابه عن تيكومسه كيف شرط الجنود المنتشون جلد الزعيم من ظهره إلي فخذه، وكيف إن أحدهم قص قطعة من الجلد
شرائط رفيعة لربط موسي الحلاقة، وكيف اقتتل الآخرون علي اقتسام فروة رأسه حتي إن بعضهم لم يحصل علي قطعة أكبر من السنت 'قطعة نقد معدنية لا يتجاوز قطرها السنتيمتر' مزينة بخصلة من
شعر تيكومسه. وعندما أجريت مقابلة مع أحد هؤلاء المحظوظين في عام 1886 'أي بعد 75
سنة' تحدث عن تلك المناسبة التاريخية بافتخار وهو يحمل بين أصبعيه تذكاره البطولي .
وكان الرئيس أندرو جاكسون الذي تزين صورته ورقة العشرين دولارا من عشاق التمثيل
بالجثث، وكان يأمر بحساب عدد قتلاه باحصاء أنوفهم
المجدوعة وآذانهم المقطوعة، وقد رعي بنفسه حفلة تمثيل بجثث 800 هندي يتقدمهم زعيمهم مسكوجي
'رد ستيكس'.
ففي 27 آذار/ مارس 1814، كما
يروي دافيد ستانارد، احتفل الرئيس جاكسون بانتصاره علي
هنود الكريك وتولي جنوده التمثيل بجثث الضحايا من الأطفال والنساء والرجال، فقطعوا
أنوفهم لإحصاء عددهم وسلخوا جلودهم لدبغها واستخدامها في صناعة أعنة مجدولة للخيول. بعد مذبحة ساند كريك التي ذهب ضحيتها أكثر من 800 هندي أعزل اضطر الكونجرس إلي إجراء تحقيق
في الفظاعات التي ارتكبها الجنود وقائدهم جون شفنجتون . ويعتبر شفنجتون اليوم من أعظم أبطال التاريخ الأمريكي، وهناك الآن أكثر من مدينة وموقع تاريخي تخليدا لذكره
ولشعاره الشهير: 'اقتلوا 'الهنود' واسلخوا جلودهم. لا تتركوا صغيرا ولا كبيرا ، فالقمل لا يفقس إلا من بيوض القمل'. ولعل هذه هي العبارة التي ألهمت هملر
تشبيه ما جري في معسكرات الإبادة النازية بأنه 'تنظيف قمل'. وكانت الحكومة قد أعلمت الكولونيل شفنجتون
بأن القرية مسالمة، وأن معظم رجالها خرجوا لصيد الجواميس، لكن
الكولونيل قال: 'حسنا، إنني متشوق للخوض في الدم' . وقد تحقق له ما يصبو إليه. فمع أول خيوط الفجر زحف رجاله إلي
القرية.
وكان فيها رجلان من
البيض حاولا إعلام الجنود بأن القرية مسالمة، لكنهما جوبها بإطلاق النار. ثم إن الزعيم بلاك كتل
رفع العلم الأبيض فوق سارية أحد البيوت كما رفع علما أمريكيا كان قد تلقاه من مفوض الشئون الهندية. وراح
يطمئن أهل القرية ويهديء روعهم قائلا: لا تخافوا.. لا تخافوا، نحن
في سلام مع البيض! وسرعان ما بدأ الجنود بإطلاق النار علي أهل القرية المتراكضين في كل الاتجاهات
بينما أعطي شفنجتون أوامره بالقصف المدفعي، ومطاردة الهاربين. ويقول روبرت بنت أحد
مساعدي شفنجتون في شهادته أمام الكونجرس 'بعد القصف حاول رجال القرية أن يجمعوا الاطفال والنساء ويحيطوا بهم لحمايتهم. ولقد شاهدت خمس نساء
مختبئات تحت مقعد طويل. وعندما وصل الجنود إليهن بدأن يتوسلن ويطلبن الرحمة لكن الجنود قتلوهن جميعا. وكان
هناك أيضا
ثلاثون أو أربعون
امرأة متكومات فوق بعضهن في حفرة، وقد أرسلن إلينا طفلة
في السادسة تحمل راية بيضاء
مربوطة علي عصا، لكنها لم تتقدم بعض خطوات حتي أطلقنا عليها النار وقتلناها، ثم قتلنا النساء اللواتي لم
يبدين أية مقاومة. ثم أنني رأيتهن بعد ذلك مسلوخات
الرأس، بينما كانت إحداهن مبقورة البطن وجنينها في بطنها واضح للعين. وأخبرني الكابتن شاول انه رأي
ما رأيت، ورأي مثلي عددا كبيرا من الأطفال بين أيدي أمهاتهم المذبوحات'.
ويقول شاهد آخر هو الجندي آشبري
بيرد أن 'عدد الضحايا يتراوح بين 400 و 500، وأنهم
جميعا
تعرضوا لسلخ فروات رؤوسهم. لقد رأيت امرأة تعرٌض
فرجها للتمثيل به، كما شاهدت جثثا مقطعة تقطيعا فظيعا وعددا من الجماجم المحطمة. وإنني لعلي ثقة بأنها
تحطمت بعد موت أصحابها بإطلاق النار عليهم كما هو واضح، 'وهذا
ما يشهد عليه أيضا لاسيرجنت لوسيان بالمر انني لم أر قتيلا
واحدا لم يسلخ رأسه أو رأسها. لقد رأيت كذلك أصابع مقطوعة للسطو علي الخواتم. كما رأيت عددا من الجثث وقد قطعت أعضاؤها
التناسلية' . وتقول شهادة عاموس ميلكش
: 'رأيت طفلا مايزال حيا بين الجثث المرمية في الخندق. ورأيت جنديا من الفرقة الثالثة يستل مسدسه ويطلق النار
علي رأس الطفل. رأيت ضحايا مقطعة الأصابع للسطو علي خواتمها، ومقطعة الآذان للسطو علي زينتها، ورأيت
عددا من الجنود ينبشون جثثا تم دفنها ليلا. وذلك ليسلخوها
وليأخذوا زينتها. ورأيت امرأة هندية مهشمة الرأس. وفي الصباح التالي، بعد أن تيبست الجثث، بدأ الجنود
بسحب جثث النساء و'فتحهن' بطريقة مشينة . وشهد دافيد لودرباك
أحد الفرسان أن 'جثث النساء والأطفال تم التمثيل بها بطريقة مخيفة. لقد رأيت
ثمانية منها فقط، ولم أجد في نفسي الشجاعة لرؤية المزيد فقد كانت شديدة التقطيع، وكانت مسلوخة الرؤوس.
أما الزعيم وايت أنتولوب
'الظبي الأبيض' فإنه كان مقطوع الأنف والأذنين والأعضاء التناسلية'. ويقول المترجم جون سميث : 'لقد مارسوا كل أنواع
السلب والنهب. لقد سلخوهم، واقتلعوا أدمغتهم،. واستخدم الجنود سكاكينهم لتمزيق أجساد النساء وشقهن،
ولتعذيب الأطفال ودق رؤوسهم بأعقاب البنادق واقتلاع أدمغتهم والتمثيل بأجسادهم. وأسوأ تمثيل رأيته في حياتي هو تقطيع النساء إلي قطع صغيرة وتمزيق جثث الأطفال ذوي الشهرين
أو ثلاثة
أشهر. وعندما ذهبت إلي مكان المذبحة في اليوم التالي لم أر جسدا
واحدا إلا وقد سلخ وقطعت أعضاؤه التناسلية.
ويقول الليوتننت جيمس كانون : 'سمعت جنديا يقول إنه اقتطع فرج امرأة وعلقه علي عود لعرضه. وسمعت
آخر يقول إنه قطع أصابع هندية ليأخذ خواتمها. كما سمعت جنودا قالوا إنهم
اقتطعوا فروج الهنديات وشدوها علي مقدمات سروج خيولهم أو عرضوها علي قبعاتهم أثناء الاستعراض العسكري. وسمعت
جنديا يقول إنه شق قلب امرأة هندية ورفعه علي عود
بعد انتهاء 'المهمة' عقد الكولونيل شفنجتون مؤتمرا صحفيا أعلن فيه أنه خاض مع رجاله 'إحدي أكثر المعارك دموية مع
الهنود، حيث تم تدمير أعتي قري هنود الشايين'! فيما عمت النشوة بين الزنابير في طول البلاد وعرضها حتي
إن افتتاحية إحدي الصحف شبهت فروات الرؤوس المقطوعة بالضفادع التي اجتاحت مصر قبل
خروج بني اسرائيل منها، وأضافت 'ليس هناك أحد لم يتمتع بقطعة من فراء رؤوس الشايين،
وهناك من بلغت به النشوة ان ارسلها 'إلي أصدقائه' في الشرق'.
أما الرئيس تيودور
روزفلت فإنه تسامي بهذه البطولات فوصفها بقوله 'إن مذبحة ساند كريك كانت عملا أخلاقيا ومفيدا
'ذلك لأن' إبادة الأعراق المنحطة حتمية
ضرورية لا مفر منها.
وفي عام المذبحة
اكتشف
أحد الصيادين امكانية استخدام الأعضاء الذكرية أكياسا للتبغ. ثم تطورت
الفكرة
المثيرة من هواية
فردية للصيادين إلي صناعة رائجة بعد أن صار 'كيس التبغ' هذا، مثل الشاريين، من أبرز علامات الرجولة والفروسية
والارستقراطية الاستعمارية، وصار الناس يتهادونه في أعيادهم وأفراحهم .
لكن هذه الصناعة لم
تعمر طويلا في داخل أمريكا بعد أن انخفض عدد الهنود في عام 1900 إلي ربع مليون، وضاق وجه
الأرض
الامريكية بالسلخ وقطع الرؤوس ولم يعد أمام الحضارة إلا أن تبحث وراء المحيط
عن مجاهل جديدة ووحوش طازجة في
باناما والفيليبين واليابان وهايتي وكوريا وفيتنام وما بين الحجون إلي الصفا.