نداء لرجال اللاهوت المسيحيين.. نداء
لأئمة الدين الإسلامي..
نداء لعلماء الاجتماع والأدباء وللبوذيين و
الهندوس..
إنه نداء لكل الآدميين …
عزيزي القارئ.. ما سأذكره عن الله وأنبيائه
الصالحين هو بعض ما يحتويه كتاب التوراة عن الإله
الذي يعبده اليهود ونظرتهم الخاصة حول أنبياء الله
ومرسليه.
العالم كله يقر بديانات سماوية ثلاث، اليهودية ثمَّ
المسيحية والإسلامية اللتان أكدتا نبوة موسى وأنّه
حمل رسالة إلهية وجاهد لنشرها.
لكن رغم كل التحولات الجذرية التي أصابت رسالة
النبي موسى"ع"، فلم تستطع المسيحية ولا الإسلام
اختراق الهالة القدسية لرب اليهود وكتابهم، وإن
يكن هناك محاولات عديدة لمناقشة كتاب التوراة
الموجود حالياً وعدم اعتباره كتاباً سماوياً، لكن
هذه المحاولات بقيت خجولة ومحاربة ولم تعمَّم على
المستوى الشعبي على مر الزمن، إذ بقيت تحكم
الإسلام والمسيحية باليهود علاقات ضبابية رغم
الاقتناع العام بتحريفهم لتوراة النبي موسى.
عزيزي القارئ.. مناقشة كتاب التوراة حاجة ملحة
لأنّها المصدر الأهم لفهم الشخصية اليهودية عبر
التاريخ، وهذه المناقشة مطلوبة من كل المستويات،
لأننا سنجد أجوبة صريحة لتساؤلات كثيرة موجودة
بأذهاننا، وسنعلم لماذا هذا الشكل البشري " الطيار
الإسرائيلي مثلاً" يقصف سيارة إسعاف بكل تصميم،
حيث نجد ربهم يهوه يأمرهم بتوراتهم "لا تنام حتى
تشرب دم قتلى " وسنعلم لماذا هذا الصنف من الجنود
يرتكب المجزرة تلو المجزرة بكل برودة أعصاب، فنجد
أن ربهم سنّ لهم قانون الإبادة " تضربون كل مدينة
محصنة، تقطعون كل شجرة طيبة، تطمون جميع عيون
الماء، تفسدون كل حقل جيدة بالحجارة " وسنكتشف
الطريقة التي يستمتع بها ربهم هذا حين يقول:"
وتنسّم يهوه رائحة اللحم المشوي "، ويثيرنا العجب
من تعليماته لهم أثناء هجومهم على مملكة أريحا "
حرموا كل ما في المدينة من رجل و امرأة، من طفل و
شيخ، حتى البقر والغنم بحد السيف، واحرقوا المدينة
بالنار ".
و كذلك أوامره لغزو مملكة عماليق " اضرب عماليق،
لا تعفُ عنهم، بل اقتل رجلاً وامرأة، طفلاً ورضيعاً،
جملاً وحماراً ، وعندما خالف شاؤول - قائدهم -
أوامر يهوه بإبقاء أجاج ملك عماليق حياً " قام
صموئيل النبي بقطع أجاج أمام الرب ".
نجد أوامر يهوه تتكرر ودائماً يدعوهم " لحروب
إبادة.. تذبيح.. تحريم.. شرب دماء الأمم.. اضربوهم
حتى لا يبقى لهم شارد.. حرموهم حتى آخر نسمة.. لا
تكن عليهم رأفة بل يبادوا كما يأمر الرب.."
إليك ما فعلوه بأهل مَدْيَـن " تجندوا على مدين
كما أمر الرب، وقتلوا كل ذكر، وسبى بنو إسرائيل
نساءهم وأطفالهم، ونهبوا جميع مواشيهم وأحرقوا
جميع مدنهم بالنار " و لاحظ كيف يصورون استقبال
النبي موسى( ع ) لهم بعدما أتوه فرحين بالنصر
فيقول لهم " الآن اقتلوا كل ذكر من الأطفال، وكل
امرأة عرفت رجلاً بمضاجعة ذكر، اقتلوها ".
أتوجّه إلى العقل اللبناني وأخاطبه " لأنهم
تصوّفوا كثيرا بعبادة ربهم بنا " …
ألا تجد أن مجازرهم الأخيرة ( قانا- سيارة الإسعاف-
النبطية ) أشعرتنا بمرارة الخيبة والحزن فقط لأننا
أدركناهم بحاستي البصر والسمع، بينما باقي مجازرهم
عرفناها بالتواتر ؟
أخي في المواطنية …هل تتذكر مجزرة حولا عام 1948 (
73 شهيد)؟ أم مجازر اجتياح 1978
( الخيام31 شهيد-كونين 35 شهيد- العباسية 90 شهيد)..!
ألم يؤدي اجتياح 1982 إلى 60,000 إصابة بين شهيد
وجريح..؟ وما تلاه من مجازر يومية ذات العدد
القليل مع العلم بأن بشاعة المجزرة لا يُستدلُ
عليها بعدد ضحاياها فقط " من قتل نفساً بغير نفس
كأنما قتل الناس جميعاً ".
عزيزي القارئ.. إليك ما تذكره توراتهم عن أنبياء
الله الصالحين، فنرى أن " النبي داود يتلذذ
باستراق النظر على امرأة تستحم وكيف أعجبته ثم
يرسل بطلبها ويضاجعها فتحبل منه، ثم يرسل بطلب
زوجها الجندي في جيش داود من المعركة ليضاجع زوجته
لكي يُنسب الطفل لأبيه لكن الجندي الشهم يرفض أن
ينام في بيته والجيش يقاتل إنما نام أمام منزله،
فيقرر داودهم أن يتخلص منه، فيحمّله رسالة إلى
قائده في المعركة و يطلب منه أن يضعه في مقدمة
الجيش وأن لا يحموه.. ليموت، وهكذا أرسل داود إلى
امرأته و ضمّها إلى بيته ".
و في مكان آخر تحدثنا توراتهم أيضاً "حين حارب
داود بني عمون" عمّان " أخرج الشعب الذين بها
ونشرهم بمناشير ونوارج حديد وفؤوس".
ونرى أن أمنون بن داود أصابه المرض وفقد وزنه لأن
أخته "ثامار" جميلة ويريد أن يفضَّ بكارتها بنفسه
وكيف يضاجعها.
وأبشالوم الابن الآخر لداود نصب الخيمة على السطح
ودخل على زوجات أبيه..
أما النبي لوط الذي سكر في المغارة ثم ضاجع ابنتيه
على التوالي..
أما النبي إبراهيم لم يكن حاله أفضل، حين صوّروه
يقدم زوجته "سارة" تارة لفرعون مصر و تارة لملك
جرار مقابل ذهب وحمير وأرض.
وتذكر توراتهم كيف وقع اختيار يهوه على إبراهيم
ونسله ليجعله شعبه الخاص حين يخاطبه "أقيم عهدي
بيني وبينك، وبين نسلك من بعدك، عهداً أبدياً،
لأكون إلهاً لك ولنسلك من بعدك..
بنو الغريب يبنون أسوارك، ملوكهم يخدمونك، تنفتح
أبوابك دائماً، ليؤتى إليك بغنى الأمم، وتقاد
ملوكهم، لأن الأمة والمملكة التي لا تخدمك تبيد،
وخراباً تخرب الأمم … وقد اختارك الرب لتكون له
شعباً خاصاً فوق جميع الشعوب الذين على وجه الأرض"
.
أما إسحق بن إبراهيم لم يكن أفضل من أبيه أيضاً
يقدم زوجته لقاء الحمير والفضة..
كذلك يعقوب بن إسحق "إسرائيل" الذي ينتسب إليه بنو
إسرائيل يصفوه بسفر التكوين، أنه قبل أن يولد كان
جنينا ماكراً، حاول أن يخرج من رحم أمه قبل أخيه
التوأم عيسو، لكن عندما سبقه أخوه، لحق به ممسكاً
بعقبه، لهذا دعي يعقوب.
ومؤسس الشعب الإسرائيلي هذا.. نراه يسرق خاله
ويحتال عليه، ونراه ينتحل شخصية أخيه عيسو ويأخذ
مباركة أبيه إسحق " بعد شح بصره " على اعتباره
عيسو، لأنه الأكبر وكان أبوه يحبه أكثر من يعقوب،
لكن تآمر يعقوب وأمه على أبيه، فيباركه أبوه خطأً،
فيقول له:" ليستعبد لك شعوب وتسجد لك قبائل، كن
سيداً لاخوتك، وليسجد لك بنو أمك ".
لاحظ ما فعله إسحق عندما عاد عيسو من الصيد وعلم
بمؤامرة يعقوب، فلم يسحب بركته له، إنما نراه ولا
نعرف لماذا ؟ ربما ليجعل المكر شعار اليهود، فيلعن
عيسو، ويبارك خديعة يعقوب ليؤسس قانون الخسَّة عند
بني صهيون.
لاحظ وتمعّن بهذه ( الشطحة ) التوراتية ": لقي
يعقوب ربه سائراً في الطريق فصارعه حتى طلوع الفجر،
ولمّا رأى الرب أنه لا يقدر عليه، ضرب حق فخذه (
المفصل ) فانخلع حق فخذ يعقوب في مصارعته معه،
عندها باركه الرب وطلب إليه تغيير اسمه من يعقوب
إلى إسرائيل "أي صارع الرب ".
أما يهوذا بن يعقوب "وبه تكنوا باليهود"، زنى
بكنّته وحبلت منه، وابنه الآخر راؤبين ضاجع "بلهة"
زوجة أبيه.
عزيزي القارئ..أظنّك مللت وقرفت من هذا الحديث لكن
أرجو أن تكمل بعضاً من سيرتهم ليس حباً أو متعة،
إنما بسبب ابتلائنا بهم، ولأن معظمنا يعتقد أنّ
عدونا ينحصر بالذين يشكلون دولة “إسرائيل”
وعلاقتها بالصهيونية العالمية، بينما العدو
الحقيقي يتجلى بالباعث الروحي المستمد من التوراة،
وإن أهم أسباب هزائم العرب أمام هذا الكيان، أنهم
لم يسلطوا الضوء على هذا الباعث بما يتناسب
وأهميته، إنما نرى المثقفين واليسار والأنظمة
يتيهون بتحليل طبيعة الصراع، إن كان مع اليهود أم
مع الصهيونية، ليكود أو حزب عمل، صقور وحمائم،
أشكيناز وسفارديم، علماً بأنهم كلهم يشربون من
النبع نفسه، ودائماً يعلّمونا بالمدارس أن إسرائيل
تأسست بناء لوعد بلفور 1917 والحقيقة أنها تأسست
بناء لوعد يهوه لإبراهيم في القرن التاسع عشر ق.م.
مشكلتنا أننا لا نبذل جهداً لمعرفة مقومات وعناصر
الشخصية اليهودية، لهذا السبب ترانا نصاب بالذعر
أمام هول كل مجزرة يرتكبوها بحقنا، ثم ننسى لتأتي
مجزرة أخرى وتذكِّرنا، لكن رغم ذلك نعود وننسى أو
نتناسى، وهنا لو سأل كل منا نفسه، ماذا يتذكر من
مجازر إسرائيل بنا نحن العرب..؟ وضحاياها حسب بعض
الإحصائيات حوالي الثلاثة ملايين ونصف المليون
ضحية..!
من يتذكر مجزرة خان يونس، غزة، سوق عكا، الطيرة،
أقرت، أبو غوش، نحالين، كفر قاسم، عين الزيتون،
الإسماعيلية، أبو زعبل، صبرا، شاتيلا، الحرم
الإبراهيمي، المسجد الأقصى، قبية، ابتدائية بحر
البقر ( حوالي 400 طفل مصري )، من يتذكر مجزرة دير
ياسين ( 254 ضحية من أصل 530 نسمة عدد سكان القرية،
والتي قال بعدها قائد المجزرة : ( لولا انتصارنا
في دير ياسين لم تقم دولة إسرائيل ).
بعد هذه الأكوام من الجماجم، ألا تدعو الضرورة أن
نسأل لماذا هذه الشخصية تمارس وبكامل الوعي هذا
الحقد على الإنسان والشجر والحضارة ؟
ألا يجدر بنا أن نملك الجواب لئلا نتفاجأ بأعمالهم
ولنخرج من تسطيحنا للصراع و لنواجه التيار بدلاً
من الانجراف بغير هدى ؟
يذكر لنا التاريخ بأن اليهود كانوا دوماً قطّاع
طرق للحضارات المحيطة بهم، وبأن عقدتهم التاريخية
هي الأرض، لاحظ كيف يخاطب يهوه يشوع بهذا الخصوص "
أنت قد شختَ وتقدمتَ في الأيام وقد بقيت أرضٌ
كثيرة للامتلاك.. كل دائرة الفلسطينيين.. كل أرض
كنعان.. كل لبنان.. أنا أطردهم من أمام إسرائيل،
إنما قسمها بالقرعة لإسرائيل ملكاً كما أمرتك …! )
يقسمون أرض الغير بالقرعة، لما لا ؟ فالأمر صادر
عن الرب يهوه، من أين أتوا بهذا الرب وكيف اخترعوه
ومن أي طينة جبلوه ؟
يقول حكماؤهم " إنَّ التوراة والسيف نزلا معاً من
السماء "، ويقول وايزمن " إنَّ اللجوء للعنف
والإرهاب والاستعداد للتعاون مع الشّر قوة لها
فوائدها في تحقيق الوطن القومي اليهودي"، الأمم
تربط وجودها بقيمها وبحضارتها لكن مناحيم بيغن
يقول :" أنا أحارب إذن أنا موجود ".
وبما أننا في زمن التسويات وعلى أبواب مرحلة جديدة
من الصراع العربي الإسرائيلي أشد فتكاً وضراوة،
نحاول أن نأخذ بعض العبر من الصلح المصري -
الإسرائيلي، وما جلبه هذا الصلح على مصر من جواسيس
وإيدز ومخدرات، ومن صراع مشبوه تفوح منه رائحة
اليهود وسنرى كيف يتكلم يهوه عن مصر بلسان أشعيا،
لنعلم المزيد عن أساليبهم بالحروب ( ونحن
اللبنانيون أتحفونا كثيرا بفنونهم الحربية )،
فيقول أشعيا " أهيّج مصريين على مصريين، فيحاربون
كل واحد أخاه، مدينة مدينه، تنشف المياه من البحر،
يجف النهر وييبس، تنتن الأنهار، وكل مزرعة على
النيل تيبس ".
وبلسان حزقايل يقول يهوه:" اجعل أرض مصر خربة
مقفرة، لا تمر فيها رجل إنسان، ولا تمر فيها رجل
بهيمة.. واجعل الأنهار يابسة، أنا الرب تكلمت ".
أخي القارئ.. ألا ترى أنّ كلام البابا شنودة يختصر
المرحلة ويعبر عن فهم عميق لهؤلاء المشعوذين ؟ حين
يصرخ بالعرب"استفيقوا أيها العرب من وهم السلام
المزعوم وما السلام الإسرائيلي إلا خرافة".
عزيزي القارئ.. هذا ربهم، وهؤلاء أنبياؤهم، هؤلاء
القدوة للمثل اليهودية والسلوك اليهودي، لذا ألا
ترى انهم يكونون بقمّة الزهد عندما يدمرون مصنعاً
أو يقتلون شجرة أو يرتكبون مذبحة ؟
إنها آيات الحقد والرعب والجنس والدم تسري في
عروقهم وتنتقل بالتناسخ الوراثي وبالتربية الحاقدة،
يصف البروفسور الصهيوني إسرائيل شاحاك التربية
الصهيونية فيقول" تعرضنا في المدرسة لغسل دماغ
كامل، أولاً أن نكره العرب، ثانياً أنّ جميع البشر
يكرهون اليهود ".
أين هم علماء الاجتماع والتربية والإعلاميون
والفنانون وأدعياء الرفق بالحيوان والطفل والمرأة
والبيئة … ؟ انهم يتبجّحون بكل شيء عدا ملامسة
القمقم اليهودي.
إلى المسيحي العربي …
أتوجه إليك أينما كنت.. دعنا نقف لحظة تأمل وتساؤل،
مبتعدين عن كل البديهيات التي زرعت بداخلنا،
واختياري للمسيحي العربي ينبع من إيماني بيسوع
وبتعاليمه، ولأني أرى أن الغرب المسيحي قد ابتعد
كثيراً عن يسوع الناصري، من هذا المنطلق أدعوك
لنوجّه الأسئلة كل منا لعقله، لنتساءل أقله مع
ذاتنا بصراحة علمية، هدفنا الحقيقة التي صلب
لأجلها السيد المسيح..
لماذا تمّ ربط العهد الجديد بالعهد القديم "التوراة"
بكتاب واحد، هو الكتاب المقدس ؟
هل المسيحية أتت لتكمل اليهودية كما هي في توراتهم
الحالية ؟
أليس واضحاً أن العهد الجديد والعهد القديم كتابان
متناقضان بروحيهما وأهدافهما الإنسانية ؟
وهل ينبغي على المحبة والسلام والتسامح أن يأتوا
بعد الحقد والخسة ورائحة الدم ؟
وهل العفّة يجب أن تأتي بعد الفجور والرذيلة ؟
وهل الرسالة السماوية يجب أن تأتي بعد أساطير
الكراهية والعنصرية ؟
وهل لكي تكون مسيحياً على" نهج الغرب" عليك أن
تصبح يهودياً أولاً ؟
أليس بديهياً عند تعلم الأبجدية أن نبدأ بالألف
لنصل إلى الياء ؟
لماذا لا يسأل المسيحي الأوروبي أو الأمريكي أن
أفضل شتيمة عند اليهود هي يسوع …؟
أو عندما يرد ذكر المسيح في تلمودهم يرددوا "
ليختف اسم الشرير..! ؟
وهل تبرأ اليهود من أعمال أجدادهم لكي تبرئهم
الكنيسة من دم المسيح ؟
هل تجتمع تحية السيد المسيح " ومن بعده النبي محمد
" ( السلام عليكم ) مع الحمم اليهودية ؟
وهل قول المسيح " أنا جئت لتكون لهم الحياة "
تلتقي مع إله البطش بكتاب واحد ؟
ونتساءل.. هل صرخة المسيح "من أراد أن يتبعني،
فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم، ويتبعني " تجتمع
مع يهوه إله التسلط والإبادة والأنانية ؟
توجّهت إليك أيها المسيحي العربي لسببين، الأول
لأننا نقتسم الرغيف نفسه، ونعيش تحت رحمة قذيفة
واحدة، ونستنير بضوء شمعة واحدة في ظلمة بني صهيون،
وتحت جرس كنيسة واحدة أو قبة مسجد واحد، فالأمر
سيّان، طالما أننا نؤمن بالإله الواحد بالمفهوم
الذي طرحه الفيلسوف الشيخ محي الدين ابن عربي في
فتوحاته المكيّة بأن فكرة الثالوث وروحيتها لا
تختلف أبداً عن روحية قل هو الله أحد الله الصمد.
أما السبب الثاني، فهو عملية ربط العهد القديم
بالعهد الجديد، التي تعتبر ركناً أساسياً من دعائم
الصهيونية وقوتها العالمية، ولولا هذا الربط،
لاندثر اليهود وكتابهم الأشوه منذ زمن بعيد، ولم
نبتلِ نحن بكيانهم السرطاني، أليس مفهوم عودة
اليهود إلى فلسطين أمرٌ مقبول عند معظم مسيحيي
العالم الغربي؟ فالمسيحي بفطرته الدينية، سيجد
نفسه إما متعاطف أو مساعد وبأحسن الأحوال لا يمانع
تحقيق وعد الرب كما جاء في النصف الأول من الكتاب
المقدس..!
أليس قبول الغرب "المسيحي" لهذا الكيان ليس فقط
التوافق بالمصالح الاستعمارية والاقتصادية (على
أهميتها) إنما بدافع أساسي هو تأثير التوراة
عليهم؟ أليست بعض الطوائف المسيحي (كالسبتيين -
شهود يهوه – الإنجيليين وغيرهم) توراتيون أكثر من
أصحاب التوراة، ويبشرون بالتوراة أكثر من الإنجيل.
يقول لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا إبّان وعد
بلفور " لقد تربيت في مدرسة تعلّمت فيها تاريخ
اليهود أكثر مما تعلمته من تاريخ بلادي، وبوسعي أن
أخبركم بجميع ملوك إسرائيل، لكني أشك بمقدرتي أن
أسمي لكم ستة من ملوك إنكلترة، لقد تشبّعنا كل
التشبّع بتاريخ الجنس العبري ".
وهناك قول آخر للكاتب اليهودي ماركس رافاج بكتابه
المفتوح للمسيحيين الأوروبيين ".. اليهود غزوا
بلادكم ونفوسكم، بلا جيوش ولا أسلحة، كان غزواً
وفتحاً بالروح اليهودية، بالمبادئ، بالدعاية، بلا
شعور منكم جعلناكم تحملون رسالتنا إلى العالم أجمع
".
وبالمناسبة نفسها، أتوجه إلى بعض علماء الإسلام
وأسألهم، أيحتاج دم بهذا الوضوح للتفتيش بآيات
القرآن الكريم عن آية تُفسَّر وتُشرح لمصلحة فتوى
بإمكانية السلام مع "من هم أشد الناس عداوة للذين
آمنوا … أصحاب القلوب القاسية … ورب القرآن الذي
أمر بأن.. اقسطوا.. اصلحوا … ولتكن منكم أمة يدعون
إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" هذا
الإله الذي تدل أسماؤه الحسنى على صفاته، والذي ما
أرسل محمداً إلا رحمة للعالمين، كان واضحاً كل
الوضوح حين قال "قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم
ويخزهم وينصركم عليهم ويشفِ صدور قوم مؤمنين".
والعمائم التي تتجاهل مثل هذه الآيات مشبوهة
بيهوديتها والحركات الإسلامية التي تتناسى عشرات
الآيات التي تدعو لمحاربة اليهود وتخترع لنفسها
عدواً آخر في مكان آخر، حتماً مشبوهة، وتتحرك من
خلال روحية اليهود وسمومهم في الذهنية الإسلامية،
أليس واجبا شرعيا أن يرتفع هذا الهمس الخجول
والظرفي ليشرح أسس الشخصية اليهودية من على كل
منابر الإسلام الإعلامية ؟
وهنا يتبادر سؤالٌ هام يوجّه لكل مراكز الفكر
الإسلامي ولعلماء الإسلام أينما كانوا :هل بقي شيء
من رسالة النبي موسى عند يهود اليوم يخوّلنا
اعتبارهم أهل كتاب واعتبار ديانتهم سماوية في كل
قوانين الدول العربية والإسلامية قاطبة …!؟
إننا جيلٌ يلحُ بالجواب الجريء والمسؤول من أعلى
المراكز الإسلامية على هذا التساؤل الحق وكل تأخير
وتباطؤ يعتبر خيانة للإسلام وللمسلمين..!
عزيزي القارئ.. لو عدنا للديانات الوثنية، سنكتشف
أنّ يهوه وكتابه وأتباعهم حالة فريدة في تاريخ
الجنس البشري، وسنجد أنّ هذه الديانات تمتلك
أفكاراً ومبادئ متقدمة جداً من يهوه وأنبيائه،
فنرى أن الديانة الآتونية لدى المصريين القدامى
تقوم على "وحدة الخالق، باعتباره قوة عظيمة تتجلى
بالشمس، وعلى أبوة الخالق للكون كله وليس لشعبٍ
محدد، وقيمه مبنية على المحبة التي تربط الإنسان
بمخلوقاته كلها".
ونرى الديانة الهندوسية ترتقي بالقيم الأخلاقية
إلى مراتب عالية، إن كان بين البشر أنفسهم أو مع
باقي الكائنات، لتصبح أعمال الإنسان وأفكاره، هي
التي تحدد حياته بعد مماته بعملية تناسخ الأرواح،
وأخلاقياته هي التي تقرر صيرورة هذا التناسخ.
وأين اليهودية من البوذية التي ترتكز تعاليمها على
:
- الرؤية السليمة "نبذ الخرافات".
- الموقف الفكري السليم "عدم التسبب بالألم
والشقاء للغير".
- الخطاب السليم "خلو الكلام من الكذب والخداع".
- السلوك السليم "تحريم القتل والزنى والسرقة وشرب
الخمر وتشجيع المساعدة وحسن المعاملة".
- سبل العيش السليم "لا يحصل الفرد على عيشه إلا
بأنبل الطرق".
- السعي السليم "التحرر من الميول الهدامة".
- اليقظة السليمة "العناية بالعقل والجسم".
- التأمل السليم "الاستغراق الباطني للوصول إلى
عتبة الاستنارة".
بعد كل هذا : هل نخشى أن نكفر برب اليهود وكتابهم
وأنبيائهم ؟
أليس الإلحاد بهم واجباً مقدساً أمام البشرية
جمعاء ؟
وأخيراً …
بما أنّ للثوارِ وجهٌ واحد.. إنها دعوةٌ لكل قلمٍ
وريشة.. لكل صوتٍ وبكل اللغات.. لكل عقلٍ عربيّ،
مدنيّ كان أم عسكريّ.. في موقع القيادة أم لاهثاً
وراء كفافَ يومه …..
إنها دعوة للإنسان …
لا تولوا وجوهكم صوب حائط المبكى في مجلس الأمن..
إنما إلى حائط مبكاهم وخفاياه.. كي لا نصبح نحن
يهود التاريخ.. نعوي في الصحراء بلا مأوى.
د. أيهم العاملي .
* الهوامش :
- الكتاب المقدس .
- القرآن الكريم .
- دين الإنسان ( فراس السوّاح ).
- تاريخ يهوه + وثيقة الصهيونية في العهد القديم (
د. جورجي كنعان