هل تستطيع المكتبة الرقمية المساهمة في عملية التطوير والتحديث ؟

نسرين متوج                                                                                                                                                  

شهدنا في العقود الأخيرة من القرن العشرين الكثير من التطورات والتغيرات المتسارعة والتي أصبح الحديث عنها يتقدم كل مقال أو بحث أو دراسة أياً كان مجالها وتخصصها , وبما أننا أصبحنا نحفظ عن ظهر قلب سمات هذا العصر وما يحتويه من تكنولوجيا تتطور بشكل يفوق قدرتنا على تخيل ماقد تؤول إليه الأحوال في العقود القادمة , لذلك كله سأدخل في صلب الموضوع بأقل قدر من المقدمات.

كلنا يعرف أن سوريا في عهد السيد الرئيس بشار حافظ الأسد قد اتخذت خطاً جديداً يتماشى مع سمات العصر ومتطلباته المتغيرة , بما أسماه سيادة الرئيس مسيرة التطوير والتحديث في سوريا , وبناء على توجيهاته الحكيمة اتخذت الكثير من الإجراءات في كل مجالات الحياة الاجتماعية والثقافية والتربوية والصناعية والقانونية...........الخ , والتي من شأنها دفع عملية التطوير والتحديث هذه , باتجاه خلق سوريا الحديثة المتطورة , سوريا القوية , ففي حديث لسيادته عن متطلبات المرحلة القادمة لتحقيق التطوير والتحديث المطلوب : ( إن أمامنا مهام واسعة في المستقبل تحتاج إلى تكثيف جميع الإمكانات لانجازه، واعتبارها مرتكزات عملنا الوطني في المستقبل، في مقدمتها إبلاء الأجيال الناشئة كل الاهتمام والرعاية عبر تحصينهم مادياً ومعنوي، والاهتمام بمستقبلهم العملي والمهني، وبالتوازي مع الانفتاح الواسع الذي نسير به في سورية علينا العناية بتنشئتهم وثقافتهم وتعليمهم، وترسيخ الملامح العربية الأصيلة في شخصيتهم، لكي يكون انفتاحنا إيجابيا وبناء ).

إذاً وبناءً على حديث سيادته فإن عملية التحديث المطلوبة تحتاج بشكل أساسي إلى إعطاء الأولوية للجيل الجديد, وهذا طبعاً يعني تعليمه وتثقيفه وتدريبه على استخدام تكنولوجيا العصر والاستفادة منها وتسخيرها لخدمة مصلحة الوطن وحمايته.

ولذلك لابد من البحث بشكل دائم عن أساليب حديثة تستطيع تحقيق هذه الأهداف وبشكل أساسي لابد من تحديث الأساليب والتقنيات  في مجال التربية والتعليم ,فالمجتمع لايمكن أن يتطور إلا بوجود نظام تعليمي متطور قادر على مواكبة التطورات والتغيرات المتلاحقة واستخدامها بشكل فعال وربما الإضافة والمساهمة في هذه التطورات.
ورد في إحدى الدراسات أن أهم متطلبات تحديث التعليم تتلخص في ما يلي :

1- الاهتمام بتطوير مناهج التعليم.
2- إعداد المعلم الجيد .
3- الاهتمام بالمكتبات المدرسية.
4- الاهتمام ببيئة التدريس.
5- الاهتمام بتوفير الإدارة المدرسية الفعالة.
6- تعدد وتنوع طرق التدريس المستخدمة.
7- أن تتضمن المناهج ما يساعد التلاميذ على استيعاب تقنية المعلومات.
8- أن يكون اكتساب التلاميذ عادة التعلم الذاتي أحد الأهداف الرئيسية للمنهج.
 إذاً تعتبر المكتبات المدرسية عنصراً هاماً من عناصر تطوير التعليم , ولابد من أن يتم تحديث المكتبة باستمرار لتتناسب مع متطلبات العصر ولتؤدي دورها المطلوب في مساعدة الطلاب أثناء عملية التعليم.

والسؤال هنا كيف تكون عملية تحديث المكتبات المدرسية ؟

هل يكفي تزويدها بالكتب الحديثة فقط ؟

أعتقد أننا جميعاً نعلم الجواب , فالمكتبة الورقية وإن كانت غير قابلة للاستبدال ولا يمكن الاستغناء عنها , إلا أنها أصبحت غير قادرة بمفردها على تأمين متطلبات العملية التربوية في إطارها الحديث , لذلك لابد من وجود مساعد لها يتمم عملها يتسم بالسرعة والسهولة في الوصول للمعلومة المطلوبة , أي يواكب العصر الحديث ويتسم بسماته.

مفهوم المكتبة الرقمية :يقصد بالمكتبة الرقمية هي تلك المكتبة التي تشكل المصادر الالكترونية أو الرقمية كل محتوياتها ولا تحتاج لمبنى يحويها وإنما لمجموعة من الخوادم Servers)) و إلى شبكة تربطها بالنهايات الطرفية للاستخدام.

أي هي مجموعة منظمة من المعلومات تصحبها بعض الخدمات حيث تكون المعلومات مخزنة في أشكال رقمية ومتاحة عبر إحدى الشبكات , وإن العنصر الحاسم في هذا التعريف هو أنها معلومات منظمة.

إن إنشاء المكتبات الرقمية ليس هدفا في حد ذاته وإنما تفيد هذه المكتبات في إدارة المصادر الرقمية , والتجارة الالكترونية , والنشر الالكتروني, والتدريس والتعلم, وغيرها من الأنشطة . لقد أصبحت المكتبات الرقمية مؤسسات رئيسية في عدد من المجالات المختلفة والمتنوعة, وتفيد بوصفها أداة رئيسية في توصيل المحتوى لأجل أغراض البحث العلمي , والعمل التجاري والحفاظ على التراث الثقافي والتعريف به .

الفرق بين المكتبة الورقية والمكتبة الرقمية :

1-  تحتاج المكتبة الورقية إلى طاقم عمل وساعات عمل طويلة لتنظيم الكتب وترتيبها والاهتمام بحالتها الفنية وتنظيم عملية إعارتها واستعادتها , بينما لاتحتاج المكتبة الرقمية لكل هذا , إذا هي توفر في الوقت والجهد والتكلفة المتمثلة برواتب العاملين فيها وبمصاريف الصيانة والعناية بالكتب .

2-  الكتب في المكتبة الرقمية لاتتعرض للفقدان أو التلف , أي تحافظ بشكلها الحديث على الكتب الموجودة  وخاصة النادرة منها , وهذا ما لانجده في المكتبة الورقية .

3-  التوفير في الحجم فمئات الكتب الرقمية  تحتاج لمساحة صغيرة جدا على قرص مغناطيسي , بينما الكتب الورقية  بنفس العدد ستحتاج لمساحات واسعة وتجهيزات من رفوف وغيرها لوضعها فيها , وهذا التوفير في المساحة يتيح للدولة استخدامه بصورة أخرى تراها مناسبة قد تكون بإضافة صفوف جديدة للطلاب لتخفيف عدد الطلاب في الصف مما يزيد حصة الطالب من اهتمام معلمه , أو بصور أخرة كثيرة لسنا في صدد الحديث عنها الآن.

4-  توفر المكتبة الرقمية في تكاليف طباعة ونشر الكتاب نفسه , فهي لاتحتاج سوى لنسخة واحدة عنه (ملف الكتاب الالكتروني )  بينما يحتاج الكتاب الورقي إلى تكاليف كبيرة تبدأ بتكاليف الطباعة وأجرة المؤلف وتنتهي بتكاليف  النشر والتوزيع والتخزين والنقل وغيرها من متطلبات نشر الكتب الورقية .

5-  تتميز المكتبة الرقمية عن المكتبة الورقية بأنها متاحة أمام الجميع في أي وقت , ومن  أي مكان , تقدم خدماتها بشكل مجاني في معظم الأوقات .

6-  كلنا يعرف أن مصدر الورق الأساسي هو جذوع الشجر , أي تتطلب صناعة الورق الذي تحتاجه الكتب الورقية  اقتطاع المئات من الأشجار , بينما لا يحتاج الكتاب الرقمي لذلك كله ,أي لا يحتاج لقطع الأشجار  للحصول على مواده الأساسية , وهنا نلاحظ الفائدة العظمى والفرق الجوهري بين الكتاب الورقي والكتاب الرقمي , لو لم تكن للأشجار فائدة عظمى وضرورة ملحة للطبيعة .

 فوائد وجود مكتبة رقمية في العملية التربوية والتعليمية :

1- مساندة العملية التعليمية في مختلف المراحل الدراسية.
2- النقلة من المهارات المكتبية إلى المهارات المعلوماتية ( محو الأمية المعلوماتي )
3- التوجه نحو تعليم المهارات بدلا من الاقتصار على التوعية بالمصادر.
4- التكامل بين مراكز أوعية المكتبة وبين المنهج.

5- تكون السيطرة على أوعية المعلومات الالكترونية سهلة وأكثر دقة وفاعلية من حيث تنظيم البيانات وحفظها وتحديثها مما ينعكس على استرجاع الباحث لهذه البيانات والمعلومات  , بالإضافة إلى أنها تقدم حلاً لمشكلة اعتماد الباحثين سواء كانوا  أكاديميين أو طلاباً في المدارس أو غيرهم من الباحثين عن المعلومات بشكل عام ,اعتمادهم لى معلومات الانترنت التي يعلم الجميع أن جزءاً كبيراً منها يأتي من مصادر غير موثوقة , لا تمتلك أي مصداقية لتقديم هذه المعلومات , بالتالي وجود مكتبة رقمية معتمدة من جهة حكومية يوفر مصدراً موثوقاً لتقديم المعلومات يمكن الاعتماد عليه في أي بحث أو دراسة في أي مجال كانت .

2- إمكانية الحصول على المعلومات والخدمة عن بعد  وذلك بتخطي الحواجز المكانية والحدود بين الدول والأقاليم واختصار الجهد والوقت , وبإمكان الباحث أن يحصل على كل ذلك وهو في منزله أو مكتبه الخاص.

3- يمكن البحث والاستعارة منها في كل الأوقات ومن على بعد.

4 – إمكانية الاستفادة من الموضوع ومطالعته من قبل عدد كبير من الباحثين  في وقت واحد.

5 – مواكبة التقدم التقني في العالم واستغلال وجود تسهيلات أكبر للوصول إلى شبكات المعلومات.

6– تساعد في نشر الوعي الثقافي الرقمي وتشجيع الباحثين والمؤلفين على الاستفادة من الوسائط المتعددةMultimedia

7– الخدمة ذاتية وبالتالي يقل العبء على المكتبة.

8- وبالنسبة للأطفال في المدارس فهي تمكنهم من الاطلاع والتعرف على الكتب الالكترونية التي يرغبون في قراءتها والاستفادة منها في واجباتهم الدراسية وكذلك أغراضهم الترفيهية والثقافية.

9- كما تعمل على تغيير سبل الأطفال التقليدية في الحصول على المعرفة.

10-  مساعدة الأطفال على استيعاب التكنولوجيا الحديثة وتطوير مهاراتهم الإبداعية من خلال ربطهم بالمجموعات الرقمية , فالطفل الذي يتعود منذ الصغر على استخدام التكنولوجيا الحديثة سيصبح مستخدما أفضل لها في مراحل عمره المختلفة.

- إتاحة الكتب النادرة وغير المتوافرة للأطفال.

- مشاركة الأطفال والتعاون معهم في تطوير تكنولوجيا واجهات الاستخدام التي تدعم الأطفال في البحث والتصفح .

- تعميق مبادئ إدارة حقوق الطبع والنشر في ظل العصر الرقمي.

وبالرغم من ذلك , فإن كثيرا من التحديات التي تواجه إنشاء المكتبات الرقمية اليوم , هي تحديات اجتماعية واقتصادية وتشريعية أكثر منها تقنية .