مينيب ورحلته إلى الجحيم للفيلسوف لوقيان السوري

مينيب والرحلة إلى الجحيم




ركضتم وراء الغرب وأثينا منذ حوالي عشرة قرون ومازلتم تركضون وستركضون إلى الأبد ، ولن تقم لكم ولا قائمة وستبقوا عبيدا .



هكذا تحرر المشرق في عهد روما ، وسآخذ على سبيل المثال ولا الحصر مدرسة قرطاج وبلاد الشام . لنأخذ من استغل الدين لضرب المستعمر وتحرير المنطقة ومن كان ضد كل الأديان وعمل من أجل شرق حر .



حال المشرق الآن أسوأ من حال أجدادنا في عهد الإمبراطورية الرومانية البشعة وبالخصوص في عهد ما يلقبه الغربيون بعصرها الدموي القاسي عندما وصل بربري وآخر من شمال افريقيا … الخ إلى أعلى هرم السلطة

تتغنون بالحداثة وستتغنون بها وترقصون حولها عراة إلى الأبد ودون أن تصلوا إلى نتيجة ، الغرب بنى حداثته بنحن والآخر الهمجي المتوحش ، الغرب بنى حداثته بصناعته لأساطير حول أثينا وجدها جاهزة ألفها له الهراطقة المسلمين ( وبعض الغربيين الآخرين تغنوا بروما ) ….

الغرب منذ القرن العاشر قال نحن الأحرار وهم الأشرار سواء نظرنا إلى les chansons de geste أو الأكويني أو دنتي أو نبيكم فولتير أو داروين أو ماركس أو رانكس أو أي كان منهم …. ( وسواء نظرنا لأثينا أو روما نجد أنهما عملتا بنفس الطريقة )

سواء عبدتم أثينا أو واشنطن أو باريس أو لندن لا يقبلكم الغربي ويراكم كآلة إنتاج ناطقة فقط مثلما قال عنكم أرسطو

لنا الحكمةالفينيقية بقرطاج التي لم تحدث بها أي ثورة شعبية في تاريخها ، ولم يحكمها أي طاغية وهذا ما قاله واعترف به أعداؤها …. لتكن الحكمة الفينيقية هي المثال الأعلى الذي نطمح له ….

كما رأينا ،وكما نرى ، وسنرى ، كرس لوقيان حياته لمحاربة أثينا وكشف شذوذ ما يلقبه الغرب والمرتزقة بالمشرق بفكرها ومفكريها ، وقال أن مكان الحكمة هو الخليج العربي ، وسنرى ماذا قال عن أثينا وطنيا أخر معاصرا له وهو حكيم قرطاج ترتول الذي صرخ ” لا علاقة للقدس بأثينا ” .

مينيب:


سلام ، يا قصري ، منزلي العزيز
أغمرتني الفرحة وأنا أراك ثانية

فلّونيد:
أليس هذا الكلب مينيب ؟ إنه فعلا هو ، اذا لم يضطرب بصري ؛ إنه مينيب بعينه . لكن ماذا يعني هذا اللباس الغريب ، وهذه الكوفية ، وهذا الرباب ، وجلد الأسد ؟ لنذهب له . صباح الخير ، مينيب . من أين أتيت إذا ؟ منذ زمن طويل لم نشاهدك بهذه المدينة .


مينيب:
إني قادم من الجحيم وأماكنها الكئيبة
حيث الظلام بلوتو يقيم بعيدا عن الآلهات.


فلونيد:
بحق هرقل ، أجهل أن مينيب كان ميتا ، ثم بعث حيا .


مينيب:
لا ، إمبراطورية الجحيم استقبلتني حيا.


فيلونيد:
وما هي الأسباب التي ألزمتك أن تقوم بهذه الرحلة الغريبة ؟


مينيب:

الصبا والحماس الشديد لشجاعتي الساخنة.

فيلونيد:
كف ، يا شجاع ، عن لعب التراجيدا هكذا ، وتكلم ببساطة ، دون أن تنزعج من قصائدك الهجائية . ما هذا اللباس الغريب المضحك ؟ ما هي الحاجة التي دفعتك ان تقوم بهذه الرحلة إلى الجحيم ؟ الطريق ليس ، أعتقد ، بممتع ، أو جذاب .


مينيب:
يا صديقي اللطيف
أنا ، نزلت إلى هذه المملكة المظلمة
من طرف العجوز تيريسياس لأستجوب الظل.


فيلونيد:
أنت مجنون ؛ خلاف ذلك ، كنت لا تغني لأصدقائك هذه القصاصات من الشعر المنظم.


مينيب:
لا تتفاجأ ، يا عزيزي . لقد إلتقيت أخيرا بإيروبيد وهومير ، و ، دون أن أدرك ، صرت ملحقا كليا بالشعر ، ذلك أنه ، على الرغم مني ، الأبيات تجيء إلى فمي .
لكن ، قل لي ، ما يحدث على الأرض ، ماذا يفعل أهل هذه المدينة ؟


فلونيد:
لا جديد يذكر ؛ هم ، كما كان الحال في الماضي ، لصوص ، يحلفون زورا ، مرابون ، وازنون للدراهم .


مينيب:

الأشقياء ، البؤساء ! وبالتالي هم لا يعرفون ما هي الخطوات التي إتخذت مؤخرا بالجحيم ، وهي المراسيم التي أخذت بالإجماع ضد الأثرياء ، وأحذرهم ، من سربروس ، ليبحثوا على منجاة.


فلونيد:

ماذا تقول ؟ هل أتخذوا بعض القرارات الجديدة بالجحيم بشأن الأحياء ؟


مينيب:

عدة ، بحق زيوس ! لكن غير مسموح ان نقولهم لجميع الناس إو نفشي تلك الأسرار ؛ يمكن لهم أن يصدروا حكما ضدي بتهمة الزندقة بمحكمة ردمنت.


فلونيد:

لا تخف ، مينيب ، بحق زيوس ؛ لا تحرم صديقا من هذه القصة المثيرة للإهتمام : إنك تتحدث إلى رجل يحتقظ بالسر ، وبالمناسبة ، مُُسارّ .


مينيب:

تفرض علي مهمة شاقة ، وليست دون خطر ؛ ومع ذلك ، إني مستعد أن أجازف بشيء ما من أجلك . ولذلك فقد تقرر ان جميع الأغنياء ، هؤلاء الفاحشي الثراء ، أن يحتفظوا بثروتهم باعتبارها دانائي … !!!


فيلونيد:

لا تتكلم عن هذه المراسيم ، يا عزيزي ، إلا بعد ما تعلمني بما هو أكثر متعة . ما هو السبب الذي ألزمك أن تنزل إلى الجحيم ؟ من كان الدليل الخاص بك ؟ أحكي لي بالترتيب ، ما رأيته ، ما سمعته من الأموات . من المظنون أن رجلا نبيها مثلك لم يترك شيئا يمر أدهش أذنيك أو عيناك .


مينيب:

يجب كذلك أن أقدم لك هذه الخدمة . كيف يمكن أن تقاوم ، عندما صديق يعنفك ؟ و ، أولا ، سأقول لك السبب الذي جعلني أسلّم نفسي وأنزل إلى الجحيم ، ثم المكان الذي نزلت منه .
مازلت طفلا ، عندما قرأت عند هومير وهسيود حكايات الحروب والعصيان والتمرد ليس للأبطال فقط ، لكن للآلهة أنفسهم ، بما لديهم من شهوة ودعارة ، إغتصاباتهم ، إختطافاتهم ، محاكماتهم ، نفيهم لآبائهم ، زواجهم بين الإخوة والأخوات ، تصورت أن كل هذا رائع جدا ، وداعبني بمتعة .
لكن ، عندما ، دخلت سنّ الرجولة ، رأيت أن القوانين تأمر عكس الشعراء ، تحرم الزنا ، التمرد ، العصيان ، الإختطاف ؛ وجدت نفسي في حرج كبير ، لا أعرف كيف سأنقاد . لم يكن بوسعي أن أصدق بأن الآلهة كانوا زناة ومتمردين ومتآمرين ، إن لم يجدوا ذلك أنه شريفا وصادقا ومستقيما ، أو من شأنه أن المشرعين قد أمروا عكس ذلك ، إذا لم يجدوا أنه مفيدا .
أصابتني الحيرة ، وكنت من رأي أن أتجه إلى الأشخاص الذين نسميهم فلاسفة ، لأضع نفسي بين أياديهم ، راجيا منهم أن يفعلوا بي ما أرادوا ويدلوني على طريق سهل وآمن أسلكه في الحياة .
هكذا كان قراري ، وصلت لهم ، دون أن أظن أني ذاهب ، كما يقولون ، أرمي بنفسي في النار لأتجنب الدخان .
في الواقع ، كلما عرفتهم أكثر ، كلما أجد عندهم الجهل والشك أكثر ، حتى أنهم أقنعوني أن حياة الذهب هي حياة أولائك الذين لا يعرفون شيئا .
أحدهم ، على سبيل المثال ، يوصي أن يسلم الإنسان نفسه كليا إلى اللذة ، وأن يفتش عنها في كل مكان وبكل الطرق ، باعتبارها الخير الأسمى .
الآخر ، بالعكس ، يريد أن نشتغل دون كلل ، نتحمل المتاعب ، اخضاع الجسد وكبحه ، دائما قذر ، قاس مع الجميع ، دائما الشتيمة والإهانة على طرف اللسان ، ولا يعرف إلا أن ينشد الأبيات القديمة المعروفة جدا التي تكلم فيها هيسيود عن الفضيلة ، والعرق والقمة التي سنتسلقها .
وهذا ، نصح بأن نحتقر الثروة والنظر إلى امتلاكها دون اكتراث . والآخر من جهته يؤكد أن الثروة في حد ذاتها يمكن النظر لها كخير . ( أرسطو وجماعته )
ماذا سأقول ، عن وجهة نظرهم للعالم ؟ عندما أسمعهم يتكلمون طوال اليوم ، عن المُثل والأفكار، والخال من المادة ، والذرات ، والفراغ ، وغيرهم من الكلمات من نفس النوع ، أصاب بالغثيان .
بيد أن ذروة السخافة ، هي ان كل منهم يتحدث عن أشياء مضادة كليا ، ويذكر أسبابه المنتصرة . حتى أنه لم يكن من الممكن معارضة ، لا أؤلئك الذين إدعوا ان الشيء كان ساخنا ، ولا الذين يدعمون أنه باردا ، عندما يكون واضحا أنه لا يمكن أن يكون ساخنا وباردا في الوقت ذاته .
يحدث لي ما يحدث للنائمين : أحيانا أحني رأسي إلى الأمام ، وتارة أتركه يمشي إلى الوراء

مينيب :

شيء واحد يزعجني في هؤلاء الأشخاص ( الفلاسفة ) : التناقض المرعب الذي لاحظته بين سلوكهم وتصرفهم في الحياة والعقيدة التي يبشرون بها ويحثون الناس على اعتناقها .
اللذين زرعوا في ذهون البشر إزدراء الثروة ، أراهم متشبتين بها ، إلى درجة أنه من المستحيل سحبهم ، يجادلون ويعارضون من أجل المصلحة ، يعلمون الفضيلة لكن بشرط أن تدفع لهم راتبا ، يتحملون كل أنواع المعاناة من أجل المال .
الذين قالوا أنهم يحتقرون الشهرة والعظمة والمجد لا يعملون ، لا يتكلمون ، ولا يتنفسون إلا من أجل الشهرة والمجد والمال .
أخيرا كلهم ، ينتقدون اللذة علانية ،لكن في كثير من الأحيان هم اللذين يسلمون أنفسهم لها بدون تحفظ وفي كامل السرية .
خاب ظني وأملي ، وغرقت في حالة كآبة شديدة . ولكن بشكل تدريجي غير محسوس عزيت نفسي حيث فكرت ، إن كنت غبيا ، إن بقيت أطوف حول الحقيقة دون الوصول لها ، فإنه لا يزال بعض أعظم الفلاسفة ، أناس حكماء ، شهروا بفطنتهم وتبصرهم .
وفي احدى الليالي عندما كانت هذه الفكرة تختطف نومي ، عزمت على الذهاب إلى بابل لأناشد المساعدة والنجدة عند ساحر، مريد وخليفة لزرتشت .
يتردد بين الناس بأنه قادر بالتعزيم والمُسارة أن يفتح باب الجحيم ، ويأخذك هناك دون أي خطر ويرجع بك سالما .
إمكانية زيارة الجحيم جذابة جدا ، إن تمكنت من النزول عن طريق هذا الساحر : ذهبت لأتكلم مع تيريساس دي بيوتي ، عالم قدسي ، لأتعلم منه ، ما هو أفضل نوع من الحياة ، اللذي يجب على الشخص المدرك أن يختاره .
قفزت من السرير ، ورحلت ، لأكون في أقرب وقت ممكن ببابل .
عند وصولي إلى المدينة ، بدأت أبحث عن حكيم كلداني ، متعمق جدا في فنه ، رجل مسن شعره فضي ، ذو لحية موقرة إسمه متهرابرزان .
بعد أن توسلت له كثيرا وألححت عليه ، لبى طلبي أخيرا بعدما دفعت له ، ليقودني إلى الجحيم .
أخذني رجلنا على عاتقه ، و ، ليهيئني وأكون طاهرا روحيا وماديا ، بدأ بغسلي لمدة تسعة وعشرون يوما ، منذ ولادة القمر الجديد ، ويأخذني كل صباح إلى الفرات ساعة بزوغ الشمس ، وكان يدعو لها طويلا حيث كنت لا أسمعه .
لأنه ، مثل البطل الرّديء في الميدان ، يتكلم بذلاقة لسانه وطريقة غامضة لا يمكن فهمها . ومع ذلك ، يبدو أنه يبتهل لبعض الألهة .
بعد تضرعه ، بصق على وجهي ثلاثة مرات ، ورجعت إلى المنزل ، دون أن أنظر لأي شخص يعترض طريقي .
غذائنا اليومي كان يتكون أساسا من التمر ، وشرابنا كان الحليب ، ونبيذ العسل وماء نهر شواسب الإيراني ، وسريرنا الأعشاب في الهواء الطلق .
عندما رأى أني ناضج للتجربة ، منتصف الليل ، قادني إلى شاطئ الدجلة ، جفف عرقي ، لف حولي مشعلا من العُنصل وبعض التوابل الأخرى ليطهرني وهو يتمتم وصفته العادية .
ثم ، عندما ، ملكني بجاذبيته وأحاطني بحلقاته السحرية ، خوفا من ان تفعل لي الأشباح شرّا ، أخذني على هذه الحالة ، مشيا إلى الوراء لمنزله.
وكنا على إستعداد لنبدأ رحلتنا .
إرتدى مرشدي عباءة الساحر ، مماثلة لللتي عند الميديين ، وأنا ، ألبسني زيا غريبا ، حيث وضع منديلا على رأسي ، غطاني بجلد أسد ومدني برباب .
وأمرني ،إن سألوني عن إسمي ، عدم الكشف عنه ، وبدلا من ذلك سأرد هرقل ، أوليس أو أورفي .


فيلونيد :

لا أفهم لماذا هذا الزي الغريب السخيف وهذا التنكر يا مينيب ؟


مينيب :

لا يمكن أن يكون الأمر أكثر وضوحا ، ولا يوجد هنا أي سر . بما أن ، هؤلاء الأبطال نزلوا قبلنا أحياء للجحيم ، ساحري كان مقتنعا عندما يجعلني شبيها بهم ، يمكن لي أن أخدع بسهولة الحارس إياك ، ويمكن لي المرور دون عائق إلى عالم الظل بفضل هذا اللباس المأساوي .
قد بدأ النهار يظهر ، نزلنا إلى ضفاف النهر لنعبره ، الزورق كان جاهزا ، كذلك القرابين ، نبيذ العسل وكل ما هو ضروري ، للتضحية ؛ حملنا هذه الأشياء على السفينة ، كذلك نحن :
صعدنا وذرفنا نـُهيـرا طويلا من الدموع
تركنا تيار النهر يقودنا لبعض الوقت ، ثم دخلنا بعد ذلك إلى مستنقع ثم بحيرة حيث يزول بعدها نهر الفرات .
بعد اجتيازنا للمستنقع وصلنا إلى منطقة صحراوية مشؤومة ، مغطاة بأشجار كثيفة ، لا تخترقهم أشعة الشمس ؛ نزلنا من الزورق : متهرابرزان سبقني ، حفرنا حفرة ، ضحينا بأغنامنا ، وتركنا دمائهم تسيل . عندئذ الساحر بيده مشعل يلتهب ، وبصوت غير هادئ ، ولكن قويا كما كان ذلك ممكنا ، يستدعي بصراخ قوي كل الآلهة الجهنمية في نفس الوقت ، جنيات الجحيم الثلاث ، وآلهة القصاص :
هيكات ، السوداء ، ألهة الشياطين ، صاحبة الثلاثة رؤؤس
وبروسربين الظليلة زوجة إله الجحيم
وأضاف لهذه الأسماء المرعبة أسماء همجية وغير معروفة حيث كل مقطع منهم مثل الشفرة الحادة .
في هذه اللحظة صار كل شيء يتزلزل حولنا ، وتحت هذا التأثير السحري إنفتحت الأرض ، وعن بعد سمعنا نباح الكلب سربيريوس صاحب الثلاثة رؤوس ( كربيريوس ) حارس باب الدخول للجحيم ؛ المشهد صار مخيفا ومرعبا :
ملك الأموات ، هادس ، يرتعش من الخوف .
وبدأنا نرى الجزء الأكبر من الجحيم ، نهر النيران وبحيرة الجحيم ومملكة هادس . بدأنا ننحدر في الهوة التي انفتحت ، ووجدنا ردمنث نصف ميـّت من الخوف ؛ سربيريوس ينبح ويتخبط ، ولكن ، مباشرة بدأت أعزف بالرباب الذي ملأ المكان بصوته وعلى نغماته نام نوما عميقا .
وصلنا إلى البحيرة ، وكدنا نبقى على الشاطئ من كثرة الزحام ، لقد كان القارب مليئا بالركاب وكانوا يئنون وينوحون . لقد كانوا كلهم جرحى ، البعض بأرجلهم والآخرون بالرأس أو بمكان آخر بالجسم ، وهذا جعلني أعتقد أنهم جاؤوا من ميدان الحرب . عندما رأى الفاضل شارون جلد الأسد ، ظن أني هرقل ، وتركني أصعد قاربه ، واستقبلنا بحرارة ، وعند صعودنا ، دلنا على الطريق الذي سنسلكه .
لقد كان ظلاما دامسا ، متهرابرزان في المقدمة ، وأنا ، أتبعه ممسكا بردائه حتى وصولنا إلى مرج شاسع ينبت به البروق .
هنا ظلال الموتى ترفرف وترتجف حولنا . وبالقرب شاهدنا محكمة مينوس ( من زاويتي أراه فرعوني ! ) : هذا القاضي كان جالسا على عرشه السامي ، بالقرب منه كانت آلهة القصاص والإنتقام . إقتادوا له ، بالجهة المعاكسة لنا ، مجموعة من المجرمين ، مقيدين بسلسلة طويلة : وعلى حد قولهم ، فاسقات أليفات للأماكن السيئة ، عشـّارات ، مغريات ، ناقلات كلام ، والآلاف الآخرون من هذا النوع من البشر الذين يكدرون ويزعجون بهذا العالم .
الأغنياء والمرابون ، يشكلون عصابة منفصلة ، وصلوا شاحبين ، بطونهم إلى الأمام ، أرجلهم مُـنقرسة ، مُحملين بحمولة من الحديد حول الرقبة وزنها حوالي ستون كيلوغرام . كنا قريبان منهما ، ونتفرج على ما يحدث ، وسمعناهم يبررون التهم الموجهة لهم ، فصاحة سخيفة ومدهشة ومن نوع جديد .