مقارنات في طرق التعليم الإبداعية والطرق الشائعة



الابداع يعدّ سرّا من اسرار التفوّق في ميادين الحياة، ويمكن صاحبه من كشف سبل جديدة في تغييرالعالم الذي يحيط بنا والخلاص من الملل والتكرار،والابداع اصبح المادة الاساسية في عمليات التغيير والتطوير،كما ان التفكير الابداعي يعالج المعلومات بطريقة مختلفه تماماً عن طريقة التفكير المنطقي، ولذلك تتطلب عملية الابداع احساساً بالجمال ورنيناً عاطفياً، وموهبة في القدرة على التعبير.

و إذا أردنا تحقيق مثل هذه الكفاءة في حياتنا، فلا بد أن نضع عدة لافتات أمامنا، ونتبع معها طريق الابداع، ومن هذه اللافتات:تقوية الخيال والإحساس. توجيه المشاعر نحو الأهداف الجميلة. تنمية الفكر والثقافة والمعلومات.تبسيط الحياة وعدم الانشغال كثيراً بهمومها. اكتشاف النظام في الأشياء التي لا نجد فيها نظاماً في النظرة الأولى. أن نقدم الجديد بعد الجديد، وأن نفعل ذلك كل يوم. ان نحب أنفسنا والآخرين وأن يكون حبّنا الأقوى للخالق المبدع.

اما مفهوم الإبداع فهو لغة من بدعه بدعا : "أنشأه على غير مثال سابق فهو بديع ، ويقال هذا من البدائع : مما بلغ الغاية في بابه" (1) ،وهو "إنشاء صنعة بلا احتذاء واقتداء، و بدَع الشيءَ يَبْدَعُه بَدْعاً وابْتَدَعَه: أَنشأَه وبدأَه. وبدَع والبَدِيعُ والبِدْعُ: الشيء الذي يكون أَوّلاً. وفي التنزيل: قُل ما كنتُ بِدْعاً من الرُّسُل؛ أَي ما كنت أَوّلَ من أُرْسِلَ، قد أُرسل قبلي رُسُلٌ كثير. وأَبدعْتُ الشيء: اخْتَرَعْته لاعلى مِثال،والابداع تحقيق انتاج جديد وذي قيمة من اجل المجتمع (2) ويُعرّف التفكير الإبداعي بأنه الاستعداد والقدرة على إنتاج شيء جديد. أو أنه عمليّة يتحقق النتاج من خلالها . أو أنه حلّ جديد لمشكلة ما، أو أنه تحقيق إنتاج جديد وذي قيمة من أجل المجتمع(3)
والابداع شكل راق للنشاط الانساني(روشكا 4)و التفكير الإبداعي يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإبداع ، حيث إن الإبداع يصف الناتج ، بينما التفكير الإبداعي يصف عمليات وأسلوب التفكير .
والإبداع صفة شخصية بينما التفكير الإبداعي أسلوب عمل أو أسلوب تفكير ، لذا كان تعلمه ممكناً كتعلم أي مهارة ، وعند الحديث عن التعليم الابداعي في مجتمعنا ومدارسنا ، لا بد من الاشارة الى نتائج بحثية هامة في هذا المجال واهمها :

1
ـ جميع الطلاب على اختلاف أعمارهم وعروقهم، مبدعون لحد ما، بمعنى أن قدرات التفكير الإبداعي موجودة عند جميع الطلاب مهما اختلفت أعمارهم وعروقهم وجنسهم.

2 ـ الطلاب متفاوتون في القدرات الإبداعية، بمعنى أن الفروق الموجودة بينهم هي فروق في الدرجة لا في النوع، أو فروق كمية لا كيفية، وعليه، يتوزع الطلاب بالنسبة لصفة الإبداع توزيعاًطبيعياً.

3 ـ للبيئة أهمية كبيرة في تنمية الإبداع والتفكير الإبداعي، وبالتالي تؤثر على الصحة العقلية والقدرات الإبداعية للطلاب.

4 ـ يتعلم المتعلمون بدرجة أكبر وفاعلية أعلى في البيئات التي تهيئ شروط تنمية الإبداع.
فقد تتوفر عند المتعلم القدرات العقلية التي تؤهله للإبداع، إلاّ أن البيئة (البيت، المدرسة، مجموعة الرفاق، المجتمع) قد لا يتوفر فيها التربة الصالحة للإنتاج الإبداعي الخلاق(5).

وليس الخلل في نظام التدريس التقليدي فقط، ولكن المشكلة تكمن في تغير الظروف المحيطة بالتعليم دون أن يتلاءم نظام التدريس مع المستجدات، فالانهيال المعرفي، والتدفق الفكري، والضخ الفضائي؛ قلل من دور المدرسة كمصدر وحيد للمعارف (6)

ومن أهداف التعليم الابداعي أن يصبح المتعلم مفكراً ومبدعاً،و يتفاعل مع مجتمعه ويطوره،و أن يساهم في حل مشكلات مجتمعه بطرق فعّالة مُبتكرة.والعمل على تنمية قدرات المتعلم إلى أقصى ما تسمح به.
في حين ان التعليم الشائع تتركز أهدافه على اجتياز الاختبارات التي تُعقد للمتعلم.و تحصيل المعلومات والمهارات الأساسية.
كما ان المعلم المبدع يمتاز بمرونة التفكير،و مُلم بمادته،و مخطط لمواقف التدريس، ويعمل على اختيار الاستراتيجية المناسبة وينفذها، وقادر على مواجهة المتغيرات الصفية، ومُبدع مُبتكر في حياته العامة.
بينما المعلم التقليدي غالباً ما يكون جامدا في تفكيره، ميّال إلى الاتّباع لا الإبداع، مستجيب للأوامر، غير ميّال للمبادرة، وخططه التدريسية غير مرنة، ونمطي في حياته العامة.

وفي التعليم الابداعي فمكانة المعلومات تكمن بانها وسائل للوصول إلى حلول، ولتنمية القدرة على حل المشكلات،وهي متغيرة ونسبية، لذا يجب إعادة النظر فيها وعدم التسليم بها فوراً.
اما حاضر تعليمنا فالمعلومة غاية في حد ذاتها،و تُقدم وكأنها ثابتة لا تتغير، والتفكير في مدى صحتها هو جهد ضائع، وعلى المعلم والتلميذ تجنب ممارسته ما أمكن.

وفي التعليم الابداعي نهتم بالخبرة وطرق الوصول إليها، وتصبح الخبرة ذات معنى حينما يصل إليها المتعلم بنفسه،وتُقدم للمتعلم متكاملة تناسب مستويات نموه ومتوافقة مع بيئته، وتدفعه للتقدم والإبداع.
لكن في تعليمنا الاعتيادي فان الاهتمام ينصب على الخبرات المعرفية، وتحديداً على خبرات التسميع والاستظهار،وتُقدم الخبرة للمتعلم مُفككة، بعيدة عن بيئته، ونراها دافعة للملل لا للمثابرة، وعادة تكون أقل أو أعلى من مستواه.
اما محورالمتعلم في التعليم الابداعي فان المتعلم هو محور العملية التعليمية،والابداع هنا يراعي ميول المتعلم وقدراته،ويهتم بالفروق الفردية بين المتعلمين وتوظفها، ويهتم بتنمية قدرات المتعلم، وخاصة قدراته الإبداعية، ويهتم بإكساب المتعلمين روح البحث والتنقيب والاكتشاف والإبداع ويهتم بتُنمية دوافع المتعلم خاصة الداخلية منها ، وعلى الاتجاه الاخر فان التعليم الاعتيادي.و المعلومات وكسبها هو محور العملية التعليمية،و لا تهتم كثيراً بميول المتعلم ولا اهتماماته،و تعليم لا يهتم بالفروق بين المتعلمين فهو أقرب لقيادة القطيع.
وتركز على قدرات الحفظ والتسميع لدى المتعلم، و تُقدم المعلومات للمتعلم جاهزة، لذا فهي مملة غالباً، والإيجابية فقط للمعلم،ولا تهتم بدوافع المتعلم، فهي تنمو عرضاً ومعظمها خارجية(7 ).
وفي مشاركة المتعلم المُبدع وغير المُبدع ،فان المتعلم غير المُبدع يساير أقرانه المبدعين، ومستواه يتقدم مع ـ رعاية المعلم ـ بقدر ما يملك من قدرات واستعدادات،و المتعلم المُبدع يضطر غالباً إلى مسايرة أقرانه غير المُبدعين فيهبط مستواه.
اما الرغبة في التعلم في التعليم الابداعي فتزداد رغبة المتعلم في التعلم، ويحرص على المشاركة في المناقشات والنشاطات الإبداعية،وتندثر ظواهر الغش وظهور التعاون والتنافس الشريف ، وعلى الوجه الاخر للتعليم الروتيني فتنتشر كثير من المشكلات التربوية والتعليمية، وظواهر الاتكالية والغش، والنقل الآلي، وانخفاض مستويات التحصيل بعامة، وانخفاض مستويات التحصيل، ومحاولات التفرّد،و يمل المتعلم الجو المدرسي، ويضطر للغياب والهروب وربما التسرب من التعليم كلية.
ومناخ التعليم والتعلم الابداعي يمتاز بالحرية والتقبُّل والتعاون ،و تعدد الآراء والمناقشات الحرة، والتعبير عن الذات، و يُعوّد المتعلم على البحث والتنقيب والاستقصاء،و يسيطر على العمل روح النشاط والود والمشاركة.بيمنا التعليم غير الابداعي فهو جو يسوده التقيُّد غالباً والخضوع والاستبداد،و لا مانع من المناقشة التي يقودها المعلم ويوجهها، مع الاعتراض على مبادأة المتعلم بها غالباً،و سيطرة روح السلبية والاعتماد على الآخر، وندرة المشاركة الفعلية.

وفي روح العصر فبتعليمنا الابداعي نهتم بالاستفادة من خبرات الآخرين المتقدمين في جميع المجالات، ونركز على ضرورة استيعابها وتطويرها.ونهتم بالمستقبل هدفاً، وتستعين بالحاضر في فهم الماضي وتمحيصه.اما التعليم العادي في يركز كثيراً على الماضي، ويتسم بالبطء في استيعاب الحاضر، ونادراً ما تهتم بالمستقبل.

ومن اهم اهداف التعليم استمرارية المعرفة ومن خلال ممارسة التعليم الابداعي يؤدي موقف التعليم والتعلم الابداعي إلى حل مشكلة مُلحّة، وبروز مشكلات أخرى، تُمثّل نقاط بدء لإبداعات جديدة من جانب المتعلم.

في حين ان التعليم الابداعي فان استمرارية المعرفة لا تظهر إلا عرضاً بدون تخطيط مسبق، وتتمثل فقط في ربط الموضوعات ظاهرياً بين مقرر وآخر يليه.و يمارس المتعلم مهارات التفكير العلمي بدءاً من الشعور بمشكلة مُلحّة، وانتهاءً بالتوصل للحل الذي يتصف بالإبداع والأصالة من خلال علمية التفكير.بينما المعلومات تثقدم جاهزة، ولذا فالتفكير محصور في التذكّر والأنشطة التلقينية.

و الوقت غير مقيّد، والعبرة ببلوغ الأهداف، فالتعلم والإبداع يتم وفقاً للخطو الذاتي للمتعلم، لا للمعلّم.اما تعليمنا الوقت مُحدد سلفاً، وعلى الكل السير وفق مُعدّل واحد هو خطو المعلم غالباً، دون اعتبار للمتعلم.

وعملية التعليم الابداعي تهتم كثيراً بتنوّع مصادر التعلم التقليدية، والتقنية، والخبرات المباشرة،في حين ان المصدر الحقيقي للمعلومات هو الكتاب، وتأتي مصادر التعلم التقليدية الأخرى عرضاً،وايضا تهتم بالجوانب التطبيقية والدراسات المعملية، بجانب النواحي النظرية.اما التعليم الابداعي يتركز الاهتمام بالجوانب النظرية، وتأتي الجوانب الأخرى عرضاً، ودون تخطيط غالباً.

و يحتل التعزيز مكان القلب، ويمثّل تقدير المتعلم وإثابته وتقبله جوهر الطرائق الإبداعية.بينما يحصل المتعلم على تعزيز لفظي نمطي غالباً على تحصيله وحفظه، لا على إبداعه، فالأخير ربما يُعاقب عليه، ويُسخر منه نتيجته.

والتقويم في عملية التعليم الابداعي تهتم بجوانب وقدرات التفكير الإبداعي.و الاختبارات مفتوحة وإجاباتها غير مُحددة سلفاً.و تهتم بالاختبارات الموقفية، والعملية، بينما التقويم الروتيني يهتم بجوانب الاستظهار والحفظ،و الاختبارات نمطية وحلولها محددة لا تسمح بالتفكير، والإبداع يُمثّل خروجاً عن الإجابة عنها،و تعتمد على الاختبارات التحصيلية المُعدة بدون علمية تُذكر(8).

و هناك أوقات فراغ يُنمّي المتعلم فيها هواياته، وتتفتح فيها قدراته، ويمارس فيها ما يتناسب مع ميوله، بينما زحام المقررات لا يتيح أي وقت فراغ، لذا فممارسة الهوايات وتلبية الميول تأتي عرضاً.

والابداع يزيد ثقة المتعلم بنفسه وبقدراته.ويساعده في نمو دوافعه الداخلية للتعلم والإنجاز.والشعور بالبهجة والرضا والنجاح، وتنمو ثقة المتعلم بنفسه بقدر حصوله على درجات عليا في الاختبارات التحصيلية،اما تعليمنا الحالي فيتخلله مشاعر القلق والخوف والتوتر خاصة أنه لا يهتم بقدرات المتعلم وهواياته وميوله.
وخلاصة القول أن الابداع طريق النجاح والتقدم والتطور وان التفكير والتعليم الابداعي السبيل الموصل للابداع والمنتج الابداعي، وفي ضوء التقدم العلمي والتكنولوجي الهائل الذي يشهده العالم بأكمله، وما يرافقه من نتائج وتغيرات اجتماعية وتربوية واقتصادية وسياسية، نرى أن الكشف عن الإبداع واستثماره يعد من أهم الأهداف التي يجب أن تسعى إليها الأمم إذا أرادت مواكبة هذا التقدم(9 ).
فقد حظي التفكير الإبداعيّ باهتمام كبير من علماء التربية وعلم النفس, إذ أصبح الآن " اللغة السائدة للعصر الحديث, حيث انتقل مركز اهتمام علماء النفس من دراسة الشخص الذكيّ إلى دراسة الشخص المبدع, والعوامل التي تسهم في الابداع, كما تحوّل الاهتمام من التعليم التلقينيّ إلى التعليم الابتكاريّ الذي يعتمد على تعلّم التفكير, وطرق مواجهة المشكلات, وتقديم الحلول الابتكاريّة لها، لما لقدرات التفكير الإبداعيّ من دور مهمّ في تطوير المجتمع الحديث وازدهاره, وما يمكن أن يتولّد عن هذه القدرات من أفكار أصيلة, وحلول جديدة للمشكلات اليوميّة للأفراد والمجتمع(10 ).