التجربة الصينية
تعد التجربة الصينية إحدى التجارب التي تركت بصماتها وأثرت وأحدثت تحولات جذرية
في حياة شعوبها، وفي ظل ظروفها كدولة نامية نجد أنها قدمت نموذجًا للتنمية وتجربة
مميزة يمكن أن تفيد منها بقية الدول النامية، فقد عاشت الصين مع بداية انفتاحها على
العالم الخارجي عام 1978 عديدًا من التطورات التي وجهت أنظار العالم إليها، وهي
تخوض غمار تجربة التحديث والإصلاح والانفتاح على العالم، وقد بدأت بالجانب
الاقتصادي وتعدته إلى بقية الجوانب الاجتماعية والثقافية والساسية.. إلخ .
وليس أدل على انتشار الحضارة الصينية وثقافتها في أرجاء العالم، من انتشار الصناعات
الصينية التي باتت الآن تدخل كل بيت على وجه المعمورة، وتثبت وجودها وجودتها
وكفاءتها، وأيضًا انخفاض أسعارها لتمحو من أمام المستهلك العالمي منتجات خصمها
الأول صاحب السيادة الحالية، ليس ذلك فقط، بل أصبحت المدارس الثانوية في الولايات
الأمريكية تتنافس في إدخال اللغة الصينية كلغة ثانية في مناهجها الدراسية، وبات
وجود اللغة الصينية ضمن مناهجها ميزة تحسب لها، كما أصبحت الشركات الأمريكية تفضل
تشغيل العاملين الذين يجيدون الصينية، بل وأصبح من يتحدث الصينية في أمريكا هو شخص
(مودرن) يسير على خُطى الموضه ويُساير إيقاعات العصر.
وقد شهد هذا التحول عمليات توفيق ومواءمة بين الأصالة والمعاصرة في مواجهة التصادم
والتعارض مع القديم وعدم التجربة، وشهد العالم مولد صين جديدة بدأت ترتدي ثوب
التغيير استعدادًا للاندماج في التيار العالمي، وكان ذلك في الدورة الثالثة الموسعة
للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني التي بموجبها انتصرت تيارات الإصلاح والانفتاح
على التيارات الفكرية الأخرى.
والصين في محاولتها للتحديث حاكت سبلها في طريق التنمية في نموذج تحديث خاص بها
يختلف عن النموذج الغربي؛ ولذا انطلق هذا التحديث والإصلاح الصيني من معرفة أحوال
الصين التي تشتمل على التاريخ الصيني والبيئة الجغرافية المميزة لسطح الصين ومناخها
وثرواتها ونمط الثقافة الذي يميز هذه المجتمعات، فضلاً عن الأخذ بأسباب التقدم
العلمي والتطبيق التكنولوجي لمبادئ العلم . الأمر الذي انعكس على نظامها التعليمي
في هذه البلاد، وجعله يتسم بعدد من الخصائص التي تميزه عن غيره من النظم.
نبذة تاريخية عن تحول الصين للنظام التعليمي الجديد:
كان من جراء حرب الأفيون (1840 - 1842) التي شنها الغرب على الصين أن اضطرت لفتح
أبوابها الكبرى العتيقة، وأجبرت على أن تطأ قدماها طريق التحديث الشاق، والتخلي عن
مناهج التعليم القديمة التي كانت تسمى بـ«النقد النصي»، لأن هذا النوع من التعليم
لم يكن كافيًا لمعالجة المواقف السياسية والاجتماعية المضطربة، فظهرت مجموعة من
طبقة المثقفين الإقطاعيين الذين تحلوا بالجرأة والجسارة، وأعربوا عن استيائهم إزاء
التعليم الكلاسيكي التقليدي الذي يتسم بضيق الأفق والرؤية غير الواقعية، وبذلك بدأت
أولى خطوات التغيير الأيدلوجي للتعليم الأكاديمي الذي كان يرتكز على «النقد النصي»
في الفترة ما بين 1736 إلى 1819.
وكان من رواد الاتجاه الجديد «لين ته شيو، وقونج تسي تشين، ووي يوان» الذين أرسوا
فكرة دراسة العلوم الغربية بالصين، وبالنسبة إلى وي يوان فيعتبر من مؤسسي مدرسة
التعليم الغربي الحديث، إذ جسد حتمية التغيير من خلال رؤية تقدمية علمية. وأدركت
الصين بعد حرب الأفيون أهمية العلوم الأجنبية وتعلمها والاقتباس منها لدفع العدوان
الاستعماري وصيانة البلاد واستقلالها حتى تظل قوية، فكانت أول دفعة سافرت إلى
أمريكا مكونة من ثلاثين طالبًا في عام 1872م، كما استقبلت كل من إنجلترا وألمانيا
واليابان عددًا كبيرًا من الطلاب الصينيين، وشملت الثقافة التي تلقوها في الجامعات
الغربية العلوم الإنسانية والطبيعية الجديدة. كما تم إنشاء مدرسة تنج وين كيوان
كأول مدرسة للغات الغربية في بكين عام 1862، وتبعها إنشاء دائرة الترجمة في شنغهاي
عام 1865 لترجمة الثقافة الغربية، وخطت الصين نحو الغرب خطوات واسعة بإنشائها في
عام 1893 أول مدرسة حديثة في ووهان ضمت أقسام الرياضة والعلوم الطبيعية والتجارة.
وشهدت الصين بعد حرب الأفيون بسنوات ترجمات صينية عن الغرب في الرياضيات
والميكانيكا والكهرباء والكيمياء والصوت والضوء والفلك والجغرافيا وعلم الحيوان
والنبات والطب.
وكانت البداية الحديثة للاهتمام بالتعليم في عام 1949 وهو ما واكب اندلاع الثورة
الصينية وقيام دولة الصين الحديثة، فقد أرادت الحكومة وقتها إصلاح النظام التعليمي،
فلم يكن الكثيرون من أفراد الشعب الصيني يحصلون على قسط وافٍ من التعليم، بل كان
مقصورًا على فئة بعينها من أبناء الأسر الإقطاعية دون غيرهم من عامة الشعب. وكان
الهدف الأساسي لإصلاح النظام التعليمي توفير قوى عاملة مدربة ماهرة تفي بحاجات
الأهداف التنموية للشعب الصيني. ومع حلول عام 1954م أصبح حق التعليم حقًا مكفولاً
لكل أفراد الشعب الصيني بموجب الدستور، ولضمان تمتع الجميع بهذا الحق قامت الحكومة
الصينية آنذاك بتشييد مختلف أنواع المدارس والمؤسسات التعليمية والثقافية.
إلا أن المواد الدراسية - التي كانت تدرس وقتها في مرحلة التعليم العام والتي تصل
مدتها 12 عامًا - لم تكن على المستوى العلمي والتكنولوجي المطلوب، وهو ما جعل
كثيرًا من الطلبة يتركون الدراسة لإحساسهم أن محتوى المواد التعليمية لا يتوافق
وقدراتهم ولا يشبع حاجاتهم. وفي عام 1958م جاءت أول محاولة منظمة من جانب الحكومة
لإعادة هيكلة العملية التعليمية لتتماشى مع متطلبات الاقتصاد القومي، إلا أنها باءت
بالفشل بسبب عدم التنسيق بين مختلف عناصر العملية التعليمية، بالإضافة إلى الأزمات
الاقتصادية التي تعرضت لها الصين ما بين نهاية عام 1958 وعام 1959 وكانت النتيجة
التخلي عن سياسة الإصلاح التعليمي مؤقتًا.
وفي المؤتمر الشعبي الثاني الذي عقد في إبريل 1960 نادى لوتينج نائب رئيس الوزراء
في تلك الفترة بتبني سياسة إصلاح تعليمية حقيقية تضع في اعتبارها الاستفادة من
التكنولوجيا التعليمية، وفي المؤتمر نفسه دعا وزير التعليم هسيو فينج إلى إيجاد
أنواع متعددة من الدراسة: مثل الدراسة الليلية، والدراسة بالمراسلة أو من خلال
برامج الراديو والتلفزيون، بالإضافة إلى قيام وزارة التعليم في هذه الفترة بالتوسع
في إنشاء المعامل المدرسية وإنتاج الأفلام التعليمية وتوفير الأجهزة اللازمة لتطبيق
التكنولوجيا الحديثة بالمدارس، وأطلق على هذه العملية التعليمية اسم «التعليم عبر
الوسائط الإلكترونية» .
وبحلول عام 1966 بدأت «ثورة البروليتاريا الثقافية» التي استمرت حتى عام 1976،
وخلال هذه الفترة قطعت الصين علاقاتها مع العالم الغربي ورفضت كل ما هو غربي حتى
الأجهزة التعليمية التي كانت تستوردها من الولايات المتحدة امتنعت عن شرائها، مما
جعلها تنتج هذه التكنولوجيا داخل الصين. كما تم تجريم المفكرين والمعلمين ومحاكمتهم
لتبنيهم ثقافات غربية، وتم حجب المعلمين عن الإلمام بكل ما هو جديد وارد من الغرب
في مجال التعليم. وانقطعت صلتهم بالعالم الخارجي مما أثر بالسلب على عملية الإصلاح
التعليمي، وفي ظل هذه الظروف برز على السطح نظام التعليم الأسري، أي تعليم أفراد
الأسرة الواحدة بعضهم بعضًا، ونظام التعليم الذاتي دون مساعدة المعلمين، إلا أن هذه
النظم التعليمية كانت محدودة الانتشار، وهو ما دللت عليه إحصائيات القوى العاملة
بالصين وقتها، فقد أفادت أن أكثر من نصف القوى العاملة بالصين التي انضمت إلى سوق
العمالة بعد عام 1966 ممن هم دون سن الثلاثين حرموا التعليم، وهو ما جعل الحاجة إلى
التعليم أكبر من ذي قبل.
وفي عام 1977 اتبعت الصين سياسة تنموية تركز على 4 عناصر أساسية للوصول إلى التقدم
المنشود، وهي الصناعة والزراعة والدفاع والعلم والتكنولوجيا، وكان نصيب الإصلاح
التعليمي كبيرًا من سياسات الإصلاح والانفتاح التي اتبعتها الصين. ومع بداية
الثمانينيات أصبح النظام التعليمي من أهم العوامل التي تؤثر بالإيجاب على التنمية
الاقتصادية إذا أحسن استغلاله، وهو ما أكدته القيادة الصينية من خلال قرار اللجنة
المركزية للحزب الشيوعي الصيني في عام 1985 بجعل التعليم الأساسي إلزاميًا، وهو
القرار الذي أقره البرلمان الصيني عام 1986، كما نص القرار نفسه على تغيير المناهج
التعليمية وطرائق التدريس، وواكب الإجراءات الإصلاحية في النظام التعليمي تعاظم
استخدام أجهزة الكمبيوتر في التعليم، كما تم إنشاء وحدات تعليم سمعية وبصرية في
حوالي 62% من المقاطعات الصينية، ومراكز إعلامية في 83% من إجمالي المؤسسات
التعليمية. وتم إنشاء مؤسسات تعليمية لإعداد المعلمين بهدف تدريبهم على استخدام
التكنولوجيا الحديثة وتمرينهم على طرائق التدريس الحديثة.
كما شملت سياسة الإصلاح التعليمي المناطق الريفية، وطبقًا لإحصاءات عام 1990م، فإن
62% من سكان الريف لم يستكملوا تعليمهم الأساسي بسبب معاناة الكثيرين الفقر المدقع
وارتفاع تكاليف التعليم الأساسي والإعدادي؛ لذا رأت الحكومة الصينية ضرورة دعم
التعليم في الريف الصيني مع توفير الأجهزة التعليمية الضرورية، كما تبنت الحكومة
الصينية برنامجًا لإنشاء المكتبات بالمدارس الريفية حتى تصبح الكتب في متناول جميع
الطلاب والمناطق الريفية. غير أن قضية تطوير التعليم لا يمكن أن تتحقق بزيادة تمويل
الدولة وحدها، بل لابد من حشد إمكانيات المجتمع لتولي اهتمامًا وتدعم دعمًا مشتركًا
لها. وفي ضوء ذلك قام صندوق تنمية الشباب والأطفال الصيني بدعوة وتنظيم مشروع خدمي
عام وهو مشروع الأمل في 30 أكتوبر 1989م الذي يهدف إلى إعانة الأطفال من الأسر
الفقيرة فقرًا مدقعًا على العودة إلى المدارس في المناطق الفقيرة عن طريق تعبئة
القوة الاجتماعية والحث على تطوير التعليم الأساسي في مناطق الصين الفقيرة النائية.
لقد نال مشروع الأمل منذ البداية اهتمامًا ودعمًا على نطاق واسع بين جميع الفئات
الاجتماعية الصينية. فإلى الوقت الحاضر قد جمع مشروع الأمل الصيني 2.7 مليار يوان
صيني (يعادل 330 مليون دولار أمريكي) وقد تم إنشاء 11266مدرسة بالتبرعات المالية،
وحصل أكثر من 2.6 مليون تلميذ من الأسر الفقيرة على عون مالي للتعليم، وتلقى أكثر
من 20 ألف مدرس متخصص بمدارس الأمل التدريب المهني مما غير مصير عدد كبير من أطفال
الأسر الفقيرة. وإلى جانب ذلك أهدى المشروع «مكتبة الأمل» لما يفوق 10 آلاف مدرسة
ريفية في المناطق الفقيرة النائية، وقام بتركيب أجهزة التعليم المرئية والسمعية
الحديثة لأكثر من 2000 مدرسة من مدارس الأمل، الأمر الذي ساعد تلك المناطق على
تحسين ظروفها التعليمية والتربوية بصورة ملحوظة. وخلال 16 سنة منصرمة أصبح هذا
المشروع الذي يدعى «مشروع الأمل» معروفًا وذائع الصيت بين الجميع لكونه أكبر قضية
من بين قضايا الخدمة الاجتماعية التي لها تأثير قوي وتنال اهتمامًا واسعًا من كافة
الفئات والمستويات الاجتماعية. إنه قد أعطى دفعًا قويًا لتطوير التعليم الأساسي في
أنحاء الصين.
الأسس والمبادئ التي يرتكز عليها النظام التعليمي في الصين:
ترتكز السياسة التعليمية في الصين على مجموعة من الأسس والمبادئ، وهي كما يلي:
٭ الارتباط الوثيق بين نظام التعليم والفلسفة الاجتماعية: حيث تولي مؤسسات التعليم
في الصين عملية التشكيل السياسي وغرس مبادئ الفلسفة الاجتماعية السائدة في نفوس
الطلاب، اهتمامًا متزايدًا، فضلاً عن تقديم وجهات النظر السياسية بطريقة مقصودة
متقنة لا مثيل لها في باقي الدول.
٭ رقابة الدولة على التعليم: باستقراء التشريعات المتعلقة بالتعليم من دساتير
وقوانين ولوائح يمكن القول إن الحكومة الصينية هي الجهة الوحيدة المسؤولة عن توفير
فرص التعليم وإدارته والرقابة عليه في جميع أنحاء البلاد، وبالرغم من ذلك فإنه يتاح
للسلطات التعليمية المحلية أن تلعب دورًا محدودًا في بعض الجوانب التعليمية لم يكن
متاحًا لها من قبل.
٭ التنظيمات الشعبية ومسؤولياتها التعليمية: ما زالت المنظمات الشعبية والحزبية من
أبرز خصائص النظم التعليمية في الصين، حيث تلعب دورًا إيجابيًا في جميع أوجه النشاط
السياسية والثقافية، كما أنها تساعد بالعمل اليدوي في جميع المناسبات المتعلقة
بالعمل الموسمي في الزراعة أو الارتفاع بالإنتاج في الصناعة.
٭ الربط بين دراسة العلوم وتطبيقاتها: من أبرز سمات النظام التعليمي في الصين
باعتبارها إحدى الدول الاشتراكية التركيز على الجوانب العملية التكنيكية التي أحدثت
تحولات عميقة في الإنتاج الحديث، وتكمن الأسباب وراء هذا الاتجاه في أن الحاجة
اليوم ملحة إلى أفراد مدربين تدريبًا عاليًا وعلى كافة المستويات في ميداني الزراعة
والصناعة، وهذا يعني أن من السمات البارزة لنظم التعليم في الصين هو الجمع بين شقي
المعرفة النظري والعملي، وهكذا يبدو واضحًا أن التعليم في الصين هو تعليم سياسي
بالدرجة الأولى، وتسعى برامج التربية السياسية لتحقيق الأهداف التاليــة:
- تنمية الشخصية المتكاملة للفرد ليكون عاملاً عن وعي اشتراكي اجتماعي ثقافي.
- غرس روح المسؤولية لدى الأفراد، وقبولها كمواطنين.
- احترام الفرد لذاته وللكبار وللسلطات.
- احترام القانون والالتزام به.
- رفع مستوى الوعي بأهمية العمل اليدوي واحترامه.
تنظيم السلم التعليمي في الصين:
نظرًا لأن الصين أكبر دول العالم من حيث تعداد السكان، فقد تبع ذلك زيادة في عدد
الذين يتلقون التعليم في مختلف المراحل، إذ تجاوز200 مليون نسمة، ويمكن القول إن
النظام التعليمي في الصين الآن أكبر نظام تعليمي حجمًا في العالم، وتنقسم المراحل
التعليمية فيها إلى رياض الأطفال والتعليم الابتدائي والاعدادي والثانوي والجامعي.
وتطبق الحكومة نظام التعليم الالزامي لمدة تسع سنوات في المدارس من الابتدائية إلى
الاعدادية، حيث يعفى خلالها الطلاب من الرسوم الدراسية، ونتيجة لجهود الحكومة
الصينية في الاهتمام بالتعليم الإلزامي ارتفعت نسبة تعميمه في البلاد من 80% قبل
بضع عشرة سنة إلى أكثر من 90% حاليًا. وفي السنوات المقبلة ستركز الحكومة أعمالها
في هذا الصدد على تطويرالتعليم الإلزامي في الأرياف والتعليم العالي سعيًا لتوفير
فرص التعليم لجميع الأطفال الصينيين وبناء جامعات من الدرجة الأولى في العالم بأسرع
وقت ممكن. وفيما يلي وصف تفصيلي لكل مرحلة من المراحل التعليمية في الصين:
٭ التعليم في رياض الأطفال:
التعليم في رياض الأطفال موجه للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين ثلاث سنوات وست
سنوات، وقد وضعت وزارة التعليم الصينية مناهج خاصة لهذه المرحلة وفقًا للقدرات
والحالات النفسية المختلفة للأطفال، وتقوم مختلف رياض الأطفال بتوعية وتربية
الأطفال لرفع قدراتهم في إدراك الكون واللغة وتمييز الأرقام والقدرة المعيشية،
ويبدأ في هذه المرحلة غرس روح العمل الجماعي واحترام السلطة والالتزام بالنظام من
خلال أداء بعض الأعمال البسيطة، مثل: مسح الأرضيات وترتيب الأدوات والملابس وتعلم
الأناشيد الوطنية، وتوجد في الصين حاليًا 150 ألف روضة أطفال. وتفيد الإحصاءات أن
أكثر من ثلاثين في المائة من الأطفال فقط يتلقون التعليم في روضات الأطفال، أما
بقيتهم فهم في رعاية أولياء أمورهم بسبب قلقهم عليهم، وتوجد في الصين رياض أطفال
حكومية وأخرى خاصة تمثل حوالي 30% من إجمالي رياض الأطفال.
٭ التعليم الابتدائي :
يلتحق الأطفال بالمدارس الابتدائية في سن السادسة، وبموجب قانون التعليم الإلزامي
الصيني، يتمتع الأطفال في سن الدراسة بتعليم إلزامي، وعادة ما تقسم مرحلة التعليم
الابتدائي إلى فترتين، الأولى مدتها أربع سنوات وتعرف بالمرحلة الابتدائية المتوسطة،
والفترة الثانية ومدتها سنتان وتعرف بالمرحلة الابتدائية الراقية، وتشير أحدث
الإحصاءات إلى أن عدد المدارس الابتدائية الصينية يبلغ أكثر من 400000 مدرسة، وعدد
طلابها 120 مليون طالب، ومعدل التحاق الأطفال في سن الدراسة بالمدارس الابتدائية
تجاوز 98% .
التعليم الإعدادي:
يطبق في المدارس الإعدادية الصينية نظام التعليم الإلزامي أيضًا، وتمتد مرحلة
التعليم الإعدادي ثلاث سنوات . وتشمل المواد الدراسية الرئيسية اللغة الصينية
والرياضيات واللغة الإنجليزية والفيزياء والكيمياء والأخلاق والمعلومات. ووفقًا
لآخر الإحصائيات، بلغ عدد المدارس الإعدادية الصينية أكثر من 60000 مدرسة يدرس فيها
60 مليون طالب، ويربو معدل التحاق الأحداث في سن الدراسة بالمدارس الإعدادية على
90%. وجدير بالذكر أن معظم المدارس الإعدادية الصينية مدارس حكومية.
٭ التعليم الثانوي:
تشمل المرحلة الثانوية في الصين التعليم في المدارس الثانوية العادية والمدارس
الثانوية المهنية والمدارس الاختصاصية متوسطة المستوى. ويطبق فيها نظام تعليم غير
إلزامي. حيث يتعين على الطلاب دفع رسوم دراسية، تختلف مبالغها باختلاف الظروف
الاقتصادية في مختلف أنحاء البلاد، وتقدر بعدة آلاف يوانات صينية كل سنة تقريبًا،
وتمتد مرحلة الدراسة الثانوية ثلاث سنوات، وتضم المواد الدراسية الرئيسية اللغة
الصينية والرياضيات واللغة الإنجليزية والفيزياء والكيمياء والبيولوجيا والمعلومات.
وبسبب كون التعليم في هذه المرحلة غير إلزامي ظهرت إلى حيز الوجود بعض المدارس
الثانوية الخاصة خلال السنوات الأخيرة، لكن تبقى غالبية المدارس الثانوية مدارس
حكومية، ويجب على خريجي المدارس الإعدادية المشاركة في امتحانات عامة قبل الالتحاق
بالمدارس الثانوية، وتحدد الدوائر التعليمية المحلية مواضيع الامتحانات وتقرر الحد
الأدنى للقبول وفقًا لنتائج الامتحانات، ثم تستقبل المدارس الثانوية الطلاب وفقًا
لرغباتهم الذاتية ونتائجهم في الامتحانات. وطبقًا لأحدث الإحصاءات توجد في الصين
حاليًا أكثر من 30000 مدرسة ثانوية يدرس فيها 30 مليون طالب، ويتجاوز معدل التحاق
الطلاب بالمدارس الثانوية 40%. وتعمل الدوائر التعليمية الصينية حاليًا على تطوير
التعليم الثانوي من أجل تلبية متطلبات أعداد كبيرة من الطلاب لتلقي التعليم.
٭التعليم العالي:
زادت الجامعات الحكومية الصينية معدل قبولها للطلاب بنسبة كبيرة خلال السنوات
المنصرمة، كما ازداد عدد الطلاب الجامعيين عدة أضعاف بالمقارنة مع عام 1998، إذ بلغ
20 مليون طالب هذا العام (2006م)، كما ارتفع معدل التحاق الطلاب بالجامعات من 10%
عام 1998 إلى 17% هذا العام. ويوجد فى الصين حاليًا أكثر من 3000 جامعة حكومية و
أهلية.
وينقسم التعليم العالي في الصين إلى التعليم الاختصاصي (المهني) ومدته ثلاث سنوات،
والتعليم النظامي العادي ومدته أربع سنوات، والدراسات العليا (درجتي الماجستير
والدكتوراه) ومدة كل منهما تتراوح ما بين السنتين والثلاث سنوات. كما توجد عدة
أنواع من الجامعات، منها جامعات عادية ومدارس مهنية على مستوى عال وجامعات الإذاعة
والتلفزيون وجامعات الكبار. ويرجع تاريخ التعليم العالي الصيني إلى ما قبل مائة سنة،
ويجب على الطلاب أن يشاركوا في امتحانات عامة قبل التحاقهم بالجامعات. وتحدد وزارة
التعليم الصينية أو الدوائر التعليمية على مستوى المقاطعة مواضيع الامتحانات، وتقر
الحد الأدنى للقبول وفقًا لنتائج الامتحانات، ويلتحق من الطلاب بالجامعات الخاصة أو
جامعات الإذاعة والتلفزيون أو جامعات الكبار كل من يفشل في الامتحانات العامة أو من
كان موظفًا يريد متابعة الدراسة.
تعليم الأجانب في الصين:
شهد الاقتصاد الصيني نموًا سريعًا خلال السنوات الأخيرة، وارتفعت مكانة الصين
الدولية يومًا بعد يوم؛ الأمر الذي جذب عددًا متزايدًا من الطلاب الأجانب إلى
الدراسة في الصين . حيث بلغ عدد الوافدين الأجانب في الصين 77 ألفًا من الطلاب
القادمين من أكثر من 170 دولة، بما فيها كوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة
وفيتنام وإندونيسيا وتايلاند وألمانيا وروسيا والنيبال وفرنسا وأستراليا وماليزيا،
ومعظمهم جاء للدراسة على نفقته الخاصة، كما أن التخصصات التي يدرسها معظم الطلاب
الوافدين في الصين هي اللغة والتاريخ والثقافة الصينية والطب التقليدي الصيني
وغيرها من التخصصات التي تمتاز بها الصين، وتوسع نطاق التخصصات خلال السنوات
المنصرمة إلى القانون والمالية والمحاسبة والعلوم وغيرها، كما حرصت الصين على اتخاذ
الإجراءات الكفيلة بتوسيع حجم الطلاب الوافدين إليها، بما فيها السماح للوافدين
بالإقامة في منازل السكان المحليين خارج حرم الجامعات والمعاهد، لكي يتصلوا بأبناء
عامة الشعب الصيني بصورة أوثق، ويتعرفوا على الصين بصورة أعمق. وفضلاً عن ذلك تتبنى
الصين أسلوب التدريس باللغتين الإنجليزية والصينية معًا في مرحلة دراسة الماجستير
من أجل جذب الطلاب الذين لا يتمتعون بمستوى عال في اللغة الصينية، ووفقًا لإحصاءات
أولية، تجاوز إجمالي عدد الوافدين الأجانب إلى الصين منذ قيام جمهورية الصين
الشعبية حتى الوقت الحالي 630 ألف طالب من 170 دولة، حيث يلعب هؤلاء دورًا مهمًا في
بناء وتنمية بلدانهم ودفع التبادل والتعاون بين بلدانهم والصين.
وفي الوقت الحالي هناك 300 جامعة صينية تقبل الوافدين الأجانب. وتعد الرسوم
الدراسية المفروضة على الوافدين الأجانب إلى الصين منخفضة جدًا مقارنة بغيرها من
الدول، وعادة ما تبلغ 20 ألف يوان صيني تقريبًا (حوالي 2400 دولار أمريكي) لكل وافد
أجنبي عن كل سنة. وتولي الصين اهتمامًا بالغًا لجذب الوافدين الأجانب للدراسة في
الصين، ويعد ذلك أحد وسائل رفع مكانة الصين الدولية في مجال التعليم وبناء جامعات
من الدرجة الأولى.
التعليم خارج المدارس:
إلى جانب التعليم المدرسي، توجد في الصين كثير من الهيئات التعليمية غير المدرسية
لسد حاجة الناس للتعليم. وتضم هذه الهيئات التعليمية غير المدرسية دور الأطفال
والأحداث ونوادي الناشئين ودورات تدريبية خارج المدرسة والتعليم على شبكة الإنترنت.
ويمكن للأطفال والأحداث أن يتعلموا فيها الموسيقى وفنون الرقص والرسم ويكملوا
معلوماتهم المدرسية وغير المدرسية بالإضافة إلى المشاركة في مختلف النشاطات العلمية
والترفيهية.
تمويل التعليم:
عززت الحكومة الصينية خلال السنوات الأخيرة تمويلها للتعليم, إذ شكلت نفقات التعليم
في المالية 2.82% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2005, بزيادة 0.03 نقطة مئوية عن
عام 2004، هذا وقد بلغت نفقات التعليم في الصين 841.884 مليار يوان (107.52 مليار
دولار أمريكي تقريبًا) في عام 2005, بزيادة 16.24% عن عام 2004, ومنها 516.108
مليار يوان (65.91 مليار دولار أمريكي تقريبًا) لنفقات التعليم في المالية المركزية
بزيادة 15.57%، إلى جانب ذلك, بلغ إجمالي الاستثمارات التي خصصتها الميزانية
المركزية والميزانيات المحلية 466.569 مليار يوان (59.59 مليار دولار أمريكي
تقريبًا) في عام 2005, بزيادة 15.84% عن عام 2004, ومنها 34.985 مليار يوان (4.47
مليار دولار أمريكي تقريبًا) لنفقات التعليم من المالية المركزية, بزيادة 16.83%,
وذلك أعلى من معدل الزيادة للإيرادات الدائمة للمالية المركزية.
وقد أظهرت دراسة أجرتها مصلحة الدولة للإحصاء أن نمو النفقات التعليمية أسرع من نمو
سائر النفقات الاستهلاكية الحالية في المدن الصينية، فقد بلغ معدله حوالي 20٪
سنويًا. وتماشيًا مع التطور السريع لعملية العولمة الاقتصادية في هذا القرن وانضمام
الصين إلى منظمة التجارة العالمية، شهدت الصين تغيرًا كبيرًا في تنميتها الاقتصادية
والاجتماعية، وهذا يعني أنه على هيئات التعليم الصينية أن تفكر من جديد في نمط
تربية الأكفاء وتسرع في تطوير التعليم.
وبعد أن استعرضنا النظام التعليمي للصين الشعبية، فهناك سؤال يطرح نفسه علىالساحة،
هل يمكن أن تفيد الدول العربية من هذه التجربة مع الأخذ في الاعتبار بالاحتفاظ
بهويتها؟ والسؤال الثاني هل ستغادر الصين سورها العظيم لتلعب دورًا أكثر نشاطًا
وتأثيرًا على الساحة العالمية أم ستظل خلف سورها العظيم وفنائها الأسيوي؟